المثال الثاني: الغصب.
وهو الاستيلاء على حق الغير عدوانًا.
والغصب عمل مادي بحت. ولكن الإسلام لا يجعل آثاره كذلك:
فلو كان الشيء المغصوب «ماء» ثم توضأ به الغاصب، فإن هذا الوضوء باطل وكذلك الصلاة التي بنيت عليه، ذلك لأنه من شرط الماء أن يكون حلالًا.
ولو كان الشيء المغصوب جوربًا ثم مسح عليه في الوضوء لكان المسح باطلًا ويترتب عليه بطلان الوضوء ثم الصلاة.
والصلاة في الأرض المغصوبة باطلة [1] ..
أرأيت كيف أن هذا التشريع يتعامل في أوامره مع الإنسان بكليته فلا يفصل جانب المعاملة عن جانب العبادة .. لأن الإنسان ليس جسمًا وروحًا .. كل منهما منفصل عن الآخر.
إنه تشريع للإنسان.
وإنها تربية للإنسان.
تلك هي نظرة الإسلام.
وحدة الإنسان، أمر قرره الإسلام، لا مرية فيه، ولكن ضرورة البحث تدفعنا إلى التقسيم والتبويب، فنحن لا نستطيع تناول الموضوع كله دفعة واحدة، ولذا كان لا بد من اللجوء إلى هذه الوسيلة، وسيلة التقسيم. وعلى هذا فسوف يكون الحديث: عن ظاهر الإنسان أولًا، ثم عن باطنه ثانيًا.
وقد سبق لنا أن تحدثنا من خلال هذا التقسيم عن الإنسان [2] . ورأينا كيف أن السابقين من الأئمة الأعلام قد سلكوا هذا السبيل فذهب «ابن القيم» إلى استعمال مصطلح «الظاهر والباطن» ، وذهب «ابن تيمية» إلى الحديث عن «جمال الخَلْق» و «جمال الخُلُق» ، وذهب «الغزالي» إلى وجود صورتين «صورة ظاهرة» و «صورة باطنة» تماثلها ..
وقد بينا فيما سبق اختيارنا لمصطلح «الظاهر والباطن» وتحدثنا عن علة ذلك. ونذكر هنا بهذا الأمر، لأننا سنسلك هذا التقسيم في موضوعنا، مع يقيننا بوحدة هذا الإنسان، وأننا في التربية نتعامل معه كلًا ..
(1) ... هذا مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.
(2) ... انظر (الظاهرة الجمالية في الإسلام) ص 205 وما بعدها. وكذلك الفصل الخامس من الباب الثاني في كتاب (ميادين الجمال) .