وينبغي أن ننبه هنا إلى أن بلاغة القول وفصاحة العبارة أمر مطلوب، وليس هو من باب التشدق في الكلام، فما ورد في الحديثين السابقين إنما يتناول أسلوب اللفظ المتعلق بكيفية إخراج الحروف والتي يريد قائلها أن يظهر بمظهر المتعالي تكبرًا وارتفاعًا، إظهارًا لفضيلته على غيره ..
* ونستطيع القول بأن الإسلام يحرص على تجميل الصوت، تمشيًا مع منهجه العام في طلب الجمال، ومن أكبر الميادين التي يطلب فيها هذا الجمال هو قراءة القرآن، وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا الصدد نذكر منها:
قوله صلى الله عليه وسلم:
«زينوا القرآن بأصواتكم» [1] .
وأخرج أبو داود عن عبيد الله بن أبي يزيد قال سمعت ابن أبي مليكة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن» قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال يحسنه ما استطاع [2] .
وقد تكفل علم التجويد بإنجاز جزء من هذه المهمة، فإن القراءة الصحيحة التي تتوفر فيها عوامل ضبط مخارج الحروف تسهم في تحسين الصوت بشكل ملحوظ.
كان ذلك حديثًا عن اللفظ، ونتحدث عن القول.
إن الله تعالى طلب من عباده أن يقوم التعامل بينهم على أساس من القول الطيب فقال: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [3] ، ذلك أن حسن القول يجعل النفوس في صفاء وود، وتعاون ومحبة، الأمر الذي يبعد الشيطان عن التدخل بينهم، وإذا بعد الشيطان انتفت عناصر الفساد، وهذا ما نجده واضحًا في قوله تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} [4] . وما الحسن الذي يطلبه القرآن هنا إلا الجمال المنشود.
وجماليات القول أو المحادثة لا تخرج عن قواعد المنهج العامة، فلا بدَّ لاستكمال الجمال من تحقق السلامة من العيوب، فإذا حدث هذا أمكن الارتقاء في السلم الجمالي.
وقبل الحديث عن العيوب التي ينبغي الابتعاد عنها، ينبغي أن نحدد مواصفات القول الأساسية والتي لا بد منها .. وتتخلص هذه المواصفات بذلك الخط المستقيم الذي هو عمدة القول ألا وهو «الصدق» .
(1) ... رواه أبو داود والنسائي. جامع الأصول 2/ 454.
(2) ... رواه أبو داود برقم 1471.
(3) ... سورة البقرة. الآية 83.
(4) ... سورة الإسراء الآية 53.