فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 138

* إن مهمة التشريع هي إحقاق الحق وإقامة العدل. أي إيصال كل ذي حق إلى حقه. أما الأخلاق، فإنها تسمو على ذلك، فإن مهمتها التعامل على أساس من التسامح فيتنازل صاحب الحق عن حقه ..

وتسجل لنا الآية الكريمة التالية الحكمين معًا: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [1] .

* إن التشريع يتناول الفعل أو الترك، وله موقف صارم إزاء كل منهما فأما ما يطلبه من الفعل فإن لفاعله الأجر وعلى تاركه العقوبة. وأما ما يطلبه من الترك فعلى فاعله العقوبة ولتاركه الأجر.

أما الحكم الأخلاقي فإن لفاعله الأجر الكبير وليس على تاركه وزر أو عقوبة فالصلاة: لفاعلها الأجر، وعلى تاركها العقوبة.

والزنا: لتاركه الأجر وعلى فاعله العقوبة.

وأما «العفو» فإن لفاعله الأجر، وليس على تاركه عقوبة أو لوم. وهذا فارق أساسي بين الحكمين.

تحدثنا في الفصل السابق عن الحد الأدنى من العلم. ونتحدث هنا عن الحد الأدنى من الفضائل الخلقية. وقد بينا في الفقرة السابقة، ما يتميز به الحكم الأخلاقي وهذا لا يعني خلو الحكم الشرعي من الفضيلة الخلقية، بل إن هذه الأحكام تضمن لنا الحد الأدنى الذي لا بد أن يتحلى به كل مسلم. ولكن هذه الحلية تكون هناك على سبيل الإلزام لأنها داخلة تحت نطاق الحكم الشرعي.

ونضرب أمثلة على ذلك:

-الصدق واجب وهو حكم شرعي، وليس فضيلة، لأن عدمه يعني وجود الكذب. وقال تعالى: {إِنما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ} [2] والفضيلة في هذا الباب: هي تحري الصدق.

-النفقات التي نص عليها الشرع حكم شرعي .. والتبرع بعد ذلك فضيلة.

وهكذا فالصدق وأداء النفقات وترك الزنا .. هي أحكام شرعية ولكنها تضمن لنا وعلى سبيل الإلزام الحد الأدنى من الفضيلة التي لا بد لكل مسلم من التحلي بها.

إن الذي يسيطر عليه الشح يلزمه الإسلام بالزكاة والصدقات، وأداء الواجبات من النفقات. وهكذا وعلى سبيل الإلزام يعلمه أن يسير في طريق الكرم، قد لا يصل به إلى أن يكون كريمًا فعلًا، ولكنه يتجاوز به حالة الشح والبخل .. وهكذا في بقية الفضائل.

(1) ... سورة الشورى [40] .

(2) ... سورة النحل [105] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت