وأما الأمر الثاني، وهو حبه سبحانه وتعالى للجمال، فقد شرع للإنسان كل ما يوصله إليه، من نظافة في الظاهر والباطن، ومن تجمل كذلك في الظاهر والباطن، فإذا ما طبق الإنسان ما شرعه الله له، فإنه يأخذ بأسباب الجمال وعندئذ يكون محبوبًا لله تعالى.
ونعود إلى ابن القيم، رحمه الله، ليوضح لنا هذا الجانب:
«إن هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين: فأوله معرفة، وآخره سلوك.
فيعرف الله - سبحانه - بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء.
ويعبد بالجمال الذي يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق، فيحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق، وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه، وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ، والشعور المكروهة ..
فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه» [1] .
نخلص من هذا إلى أن قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله جميل يحب الجمال» يعد أكبر باعث للمسلم وحافز له، يدفعه لتلبية وتنفيذ ما يحبه الله تعالى فيسعى إلى تحقيق الجمال في كل شيء يتصف به ضمن حدود طاقته.
وبهذا يكون سعينا تلبية للفطرة، وتحقيقًا للعبادة، وذلك الوئام نوع آخر من الجمال.
إن النظرة الكلية الشاملة المتفحصة في المنهج الرباني تتيح لنا رؤية خط واضح يمر عبر كل الأوامر والتوجيهات، ليعطيها حظها من الجمال، ثم يستكمل مهمته فيصور لنا جمالية المنهج من خلال خط سيره العام.
إننا ما نكاد نقف على أمر أو توجيه إلا وللجمال فيه نصيب، قد ندرك ذلك مباشرة، وقد يحتاج إدراك ذلك، في بعض الأحيان، أن نرجع الأمر إلى أصوله وكلياته حيث يتبين لنا خط سير الجمال فيه.
ويظهر هذا جليًا في أوامر القرآن المتكررة التي تحض على إحسان العمل، وإحسان القول، كما تحث على العمل الصالح .. وما الإحسان والصلاح إلا بعض رعية الجمال.
وكذلك نجد الخط نفسه في السنة، ونسوق بعض الأمثلة على ذلك:
جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» [2] .
وإتقان العمل هو الوصول به إلى أحسن حال ممكنة، وعندها يتحقق الجمال فيه، ومن المعلوم أن كل جمال بحبس الشيء الذي يجمله، فقد يكون في الحركة، وفي العمل، وفي الشيء المنتج ..
(1) ... المصدر السابق ص 240.
(2) ... الحديث في صحيح الجامع الصغير، وقال عنه: حديث حسن، وهو من رواية البيهقي.