للحس الجمالي مساران:
أحدهما: يسير أفقيًا، فيستوعب السطح.
والثاني: يتجه عموديًا يحاول سبر الأغوار.
وبتعبير آخر: يتجه الأول إلى الظواهر والأشكال، بينما يتجه الثاني إلى المعاني والقيم.
ومن المتفق عليه، أن سرعة انتشار الأول عظيمة، بينما يسير الثاني ببطء في الاتجاه الآخر.
ونستطيع أن نقول إن المسار الأول هو: إدراك الجمال الحسي، والمسار الثاني هو إدراك الجمال المعنوي.
(1) المسار الأول: الجمال الحسي:
أول ما يدركه الحس من الجماليات، هي الظواهر والأشكال المادية، ويكون الإدراك لهذه الأشياء سريعًا، لأنه يتناول السطوح، ويعتمد على الحواس في إدراكه.
ويكاد يكون الاتفاق قائمًا على هذا الأمر.
يقول هيغل: «إن الإدراك الحسي البحت هو أسوأ إدراك وأقله ملاءمة للروح. وهو يكمن بصورة رئيسية في النظر، في السمع، في الإحساس .. » [1] .
وقد سبقه الإمام الغزالي وغيره من المسلمين على التفصيل الدقيق في هذا الأمر، فالإنسان في نظر الغزالي، مركب من جسد مدرك بالبصر، ومن روح ونفس مدرك بالبصيرة، .. وبعد أن قسم الجمال - تبعًا إلى ذلك - إلى قسمين: جمال الصور الظاهرة وجمال الصور الباطنة قال: والأول يدركه الصبيان والبهائم، والثاني يختص بدركه أرباب القلوب [2] .
وهذا النوع على الرغم من أنه يمثل أوليات الإدراك الجمالي، إلا أنه مهم، لأنه الأساس الذي يقوم عليه البناء. يقول «سانتيانا» : إن الجمال الحسي ليس أهم العناصر في التأثير ولا هو أعظمها، ومع ذلك فهو أكثرها بدائية وشمولًا باعتباره يتعلق بالأساس الذي لا بد للبناء أن يقوم عليه [3] .
إن طبيعة هذا الإدراك الحسي تجعله قدرًا مشتركًا بين جميع الناس لأن اعتماده على الفطرة، والكثير من الناس يقفون عند هذا النوع ولا يتجاوزونه، لأنه هو البارز على السطح، فيستطيع كل إنسان أن يتعامل معه.
وقد أكد هذا المعنى - الذي سبق العلماء المسلمون إلى سبر دقائقه - «سانتيانا» في كتابه «الإحساس بالجمال» فقال: إن انتشار الجمال الحسي على نطاق أوسع يجعله في متناول الجميع .. [4] .
(1) ... المدخل إلى علم الجمال. هيغل ص 74. ترجمة: جورج طرابيشي.
(2) ... إحياء علوم الدين 3/ 53 و 4/ 303.
(3) ... الإحساس بالجمال. تأليف «سانتيانا» ص 104 ترجمة محمد مصطفى بدوي مكتبة الأنجلو مصرية.
(4) ... المصدر السابق ص 103.