وقد كان الصحابة رضي الله عنهم، لا يستكثرون من القرآن، فكانوا لا يتعلمون الآيات .. قبل تطبيق ما حفظوه. وهكذا تعلموا العلم والعمل معًا، وتلك - والله أعلم - بعض الحكمة من نزول القرآن مفرقًا.
وقد نبه القرآن الكريم إلى الانحراف الكبير في قضية العلم، وهي فصله عن العمل، فقال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} ؟
إن التناسق بين العلم وبين العمل، وبين القول وبين العمل، أمر ضروري يجعل للعلم حركة فعالة.
والعالم الذي يجعل من علمه سلعة يتكسب بها - أي نوع من الكسب - ولا يطبق ما علم، فقد يكون الجاهل أحسن منه حالًا وأنظف مآلًا.
فالعلم - إذن - مسؤولية، وليس رتبة يرتفع بها الإنسان فوق الآخرين ذلك أن العالم خاضع للحساب أمام الله تعالى كأي إنسان آخر.
إن العلم هو الطريق إلى العمل.
لا بد للمسلم من العلم الذي يتيح له أن يكون سلوكه متساوقًا مع المنهج. إذ من الضرورة بمكان أن يكون لديه من العلم ما يصحح به عقيدته، وأن يكون على علم بالمحرمات والممنوعات حتى يبتعد عنها. وبالواجبات حتى يؤديها.
إن الفقير لا يطالب بتعلم الحج حتى يصبح قادرًا، والأعمى لا يطالب بتعلم أحكام غض البصر ..
وعلى هذا فهناك حد أدنى من العلم يتناسب مع وضع كل إنسان. ومن وراء ذلك الضابط العام الذي يعرفه كل مسلم، وهو أنه لا ينبغي له أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه.
ومما تجدر الإشارة إليه، أن هذا القدر من العلم، اللازم لكل إنسان، قد يسر الإسلام الحصول عليه، ودون أية كلفة وذلك عن طريقين:
-المجتمع المسلم: فما يحل وما يحرم .. لا يجهله إنسان يعيش في مجتمع إسلامي وهذا النوع من العلم هو ما أطلق عليه الفقهاء اصطلاح «ما عرف من الدين بالضرورة» فلا يقبل من مسلم نشأ في هذا المجتمع أن يدعي الجهل بحرمة الزنا أو السرقة ..
-خطبة الجمعة: وهي الدرس الأسبوعي الذي يتلقاه المسلم عند أداء فريضة الجمعة. والخطبة هنا تسهم في تعليم الناس وتثقيفهم إلى حد بعيد، فإذا قدرنا أن الخطيب يتناول في خطبته بيان حكمين من أحكام الإسلام فإن الحصيلة السنوي تزيد على تعلم مئة حكم ..
وهكذا يبدد الإسلام الجهل ..