إنه تدريب وتربية للمسلم من خلال النص القرآني، أن يستعين بالمقياس الجمالي في إتيان الأشياء أو الابتعاد عنها. ألم يطلب القرآن الكريم من المسلم ألا يرفع صوته بغير ضرورة؟ ثم كان التعليل لذلك هو «القبح» ولنستمع إلى النص الكريم:
{وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [1] .
إن المفسرين يقولون في مثل هذا المقام: إن «إن وما بعدها» في مقام التعليل. أي واغضض من صوتك لأن أنكر الأصوات هو صوت الحمير. وهكذا يعلل التحريم بالقبح، وهو تعليل بمقياس جمالي [2] .
أليس هذا تربية على استعمال المقاييس الجمالية، والاستعانة بالحس الجمالي؟!.
رأينا في الفقرة السابقة كيف أن القرآن الكريم عوّل على الحس الجمالي كدليل.
والسؤال الذي يطرح نفسه، هو: كيف نقيس الجمال، وبتعبير آخر، كيف نتأكد أن حسنا الجمالي كان صحيحًا؟.
إنه لا بد من معالم يرجع إليها هذا الحس، وتكون ضابطة له في حال انحرافه.
وقد أدى انعدام هذا الضابط في عالم الفن إلى فساد عظيم في مفهوم الجمال .. حتى أصبح «القبح» جمالًا، كما حدث ذلك بالنسبة لبعضهم في موقفه من شعر «بودلير» ولوحات «كوربيه» وكثير من لوحات المدرسة «الدادية» ووريثتها مدرسة «الفن الفقير» .. حيث وصل الفساد في الذوق الجمالي إلى درجة انعدام التمييز بين «القبح» و «الجمال» [3] .
إن الفطرة السليمة يمكن أن تكون حكمًا في هذه القضية، وقد أتاح لها الإسلام أن تأخذ دورها الكبير في تحديد استقامة هذا الحس، ولكنه لما كان انحرافها متوقعًا، نتيجة للعوامل الكثيرة التي تحيط بها فقد وضع المنهج الإسلامي قواعد عامة يرجع إليها في الحالات التي يشتبه بها، أو في الحالات التي يفسد فيها الذوق ويتبلد الحس.
إنه ليس إلغاء لدور الفطرة، ولكنه التوجيه لها، والأخذ بيدها، حيث تتاح لها حرية العمل ضمن إطار المنهج الإسلامي العام.
(1) ... سورة لقمان. الآية [19] .
(2) ... قال ابن كثير - رحمه الله - في تفسير الآية: « {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ} أي لا تبالغ في الكلام ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه، ولهذا قال (إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) وقال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير: أي غاية من رفع صوته أنه يشبه بالحمير في علوه ورفعه. ومع هذه هو بغيض إلى الله. وهذا التشبيه في هذا بالحمير يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم» . ا. هـ. أقول: واضح من النص كيف جعل ابن كثير «القبح» علة للتحريم.
(3) ... انظر تفصيل ذلك في كتابنا (الفن الإسلامي، التزام وإبداع) .