فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 138

تلك هي السمة الأولى التي ينبغي التحقق من وجودها لدى البحث عن جمال ما.

والمنهج الإسلامي حين وضع نظام «جمالية الإنسان» انطلق من المبدأ نفسه، فكانت الخطوة الأولى على طريق الجمال، هي التخلص من كل الأدران والأوساخ الظاهرة والباطنة.

ففي مجال الظاهر، طالب المنهج - كما رأينا - الإنسان بالنظافة في جسمه وفي ثيابه .. وأثاث بيته ومتاعه، وفي المكان الذي يجلس عليه.

وما النظافة، في واقع الحال، إلا التخلص من كل ما يستقذر، مما تشمئز منه النفس، وتنفر منه العين.

ويساير الباطن الظاهر في هذه الخطوة، حيث يبدأ جماليته بالتخلص من العيوب، التي هي الآثام والذنوب، وذلك بالبعد عنها، وهذه الآثام بعضها مما يجترحه القلب، وبعضها مما تقوم به الجوارح، والإنسان مطالب بالبعد عن النوعين معًا، قال تعالى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} [1] .

وهكذا كانت المرحلة الأولى واحدة في الجانبين، نظافة في الظاهر تصاحبها نظافة في الباطن، وقد أكد هذا الاقتران قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [2] .

والتوبة هنا هي النظافة من الذنوب، فهي طهارة الباطن، والتطهر هو النظافة من الأدران الظاهرة.

وما الطهارة بكل أبعادها - الظاهرة والباطنة - إلا السلامة من العيوب.

وإذا أنعمنا النظر في المنهج خارج الإطار الذي ذكرنا، تبين لنا أن تلك السمة خط أصيل يبدأ من العقيدة وينساب إلى الشريعة ثم ينتقل من الكليات إلى الجزئيات ليسجل عمومه وشموله.

ففي ميدان العقيدة تبدأ كلمة «التوحيد» بالنفي ثم الإثبات. ذلك ما يبدأ به المسلم إيمانه (لا إله إلا الله .. ) فالنفي تعبير عن الطهارة من كل أنواع الشرك، وبراءة من الآلهة المزيفة .. وتلك هي سلامة القلب من عيوب العقيدة.

فإذا ما انتقلنا إلى الفرعيات والجزئيات وجدنا شرايين تلك السمة تغذيها تغذية تامة .. والأمثلة على ذلك كثيرة ..

الإنسان مطالب في ميدان عمله اليومي - أيًا كان هذا العمل - أن يتقنه ويحسنه ما استطاع، وهذه المرحلة ولا شك إنما تتم بعد تجنب الغش، فإن الغش يذهب بكل جمال مهما كان شأنه، وإذن فقبل البحث عن جمالية عمل ما لا بد من التأكد من سلامته من العيوب ..

ومن خلال هذا المنهج تصبح سمة السلامة من العيوب خطًا عامًا يصبغ نفس الفرد بصبغته فإذا بسلوكه دائمًا يحمل سمة السلامة من العيوب أو سمة الطهارة والنظافة .. وذلك أساس من أسس الجمال.

(1) ... سورة الأنعام [120] .

(2) ... سورة البقرة [222] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت