* إن ارتفاع الصوت أو انخفاضه تحدده وضعية المخاطب أو المخاطبين، من حيث العدد، والقرب أو البعد .. والأصل أن يكون ارتفاع الصوت بقدر الحاجة بحيث يسمع المخاطب.
ورفع الصوت بلا داع يعد من الخروج على الآداب العامة، الأمر الذي يذهب بجمال القول، بل إنه يعد حينئذٍ من القبح.
ولما لهذا الأدب من أثر في التعامل بين الناس، تناوله القرآن الكريم في المرحلة المكية، فقد جاء في سورة لقمان قوله تعالى:
{وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [1] .
قال ابن كثير: أي: لا تبالغ في الكلام، ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه، ولهذا قال: {إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} ... أي: غاية من رفع صوته أنه يُشَبه بالحمير في علوه ورفعه، .. وهذا التشبيه في هذا بالحمير يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم [2] .
وإذن: فينبغي الحرص على الاعتدال والقصد. وأن يكون الصوت بحيث يسمع المخاطب.
* ومما يطلب في أمر الصوت أيضًا، أن يصدر بدون تكلف، إذ «التقعر في الكلام بالتشدق وتكلف السجع والفصاحة والتصنع فيه بالمقدمات وما جرى به عادة المتفاصحين المدعين للخطابة. كل ذلك من التصنع المذموم ومن التكلف الممقوت» [3] .
قال صلى الله عليه وسلم:
« .. وإن أبغضكم إلي وأبعدكم من مجلسًا يوم القيامة، الثرثارون، والمتشدقون والمتفيهقون [4] » [5] .
وقال صلى الله عليه وسلم:
«إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة» [6] .
فالغاية، هي البعد على التكلف الممقوت الذي يجعل من الصوت نشازًا سيئًا.
(1) ... سورة لقمان. الآية [19] .
(2) ... تفسير ابن كثير. في الآية المذكورة.
(3) ... إحياء علوم الدين 3/ 120.
(4) ... قال في النهاية: الثرثار الذي يكثر الكلام تكلفًا وخروجًا عن الحق. والمتشدق المتوسع في الكلام من غير احتياط واحتراز وقيل المستهزئ بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم، والمتفيهق: الذي يتوسع في الكلام ويفتح فاه به.
(5) ... رواه الترمذي برقم 2018.
(6) ... رواه الترمذي برقم 2857.