ومؤيدات التشريع هي مؤيدات الفضيلة الأخلاقية، فالدافع إلى القيام بهما هو الرغبة في تنفيذ ما يحبه الله تعالى. ولهذا كانت الرقابة ذاتية، وبتعبير أدق هي لله تعالى.
ومع هذا فهناك فارق لا بد من التنويه به والإشارة إليه. فهناك عامل نفسي مهم ذلك أن الحكم الشرعي مؤيد بالعقوبة .. فربما كان الخوف من العقوبة عاملًا مهمًا في الدفع إلى التنفيذ.
بينما في الحكم الأخلاقي، لا سلطان للعقوبة، بل يحل مكانها الترغيب في الدرجات العليا من الجنة ..
وهذا الفارق واضح في آيات الله ونضرب لذلك مثلًا:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... } [1] .
وقال تعالى: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [2] .
والتهديد والوعيد واضح في الآية الأولى وهي تقرر حكمًا شرعيًا، بينما يظهر الترغيب والحث على الصبر في الآية الثانية وهو حكم أخلاقي.
تبين مما سبق أن المنهج الإسلامي ضبط الفضيلة الخلقية وحددها، فهي ذات أصول ثابتة لا تتغير بتغير الأزمنة أو الأمكنة .. لأنها تستند إلى المنهج ذاته فهي من معطياته، وليست قائمة على مجرد التحسين العقلي.
ولأنها منبثقة عن هذا المنهج كان التناسق كاملًا بينها وبين فروعه الأخرى، حيث تبوأت مكانها في قسم الجماليات، فهي تمثل قسم التحسينات بينما يمثل التشريع قسم الضرورات.
ولهذا كانت مكانة الفضيلة الخلقية هي مكانة الذروة، إذ هي القصد الهدف، وقد رأينا كيف أن العبادات نفسها تهدف إلى تحقيق الفضيلة في ذات الإنسان ولعل الحديث الشريف يؤكد هذا المعنى بوضوح وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» [3] .
والفضيلة في غالب أحوالها سلوك يتجه إلى تحقيق ما فيه صالح الآخرين وهي في الوقت نفسه سمو بالنفس وارتفاع بها في سلم المكرمات .. قال صلى الله عليه وسلم: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا» [4] .
(1) ... سورة البقرة [279] .
(2) ... سورة النحل [126] .
(3) ... قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين: أخرجه أحمد والحاكم.
(4) ... متفق عليه - كما جاء في رياض الصالحين.