نخلص من هذا إلى أن إدراك الجمال الحسي يتميز:
-بسرعته.
-وأنه في الحد الأدنى منه، قدر مشترك بين الناس.
-وأنه أساسي.
فالوردة الجميلة، لا يحتاج إدراك جمالها إلى وقت، وجميع الناس لا يختلفون في ذلك، والذي لا يدرك مثل هذا الجمال - وهو أساسي - فإن من المشكوك فيه أن يكون قادرًا على إدراك أعلى من الجمال، كالذي يحتاج إلى قدرة عالية من التذوق الجمالي.
وهذا الإدراك في أصله فطري، ويرفع من مستواه العطاء التربوي الذي يصعد به إلى أعلى، كما يتسع به على دائرة السطح.
(2) المسار الثاني: إدراك الجمال المعنوي:
الإحساس بالجمال إدراك أولي، فإذا نمي هذا الإدراك وربي ودرب .. أصبح ملكة تأخذ أبعادها في أغوار النفس وأعماقها، ويصبح الجمال جزءًا من أي عملية إدراكية، يحسب له حسابه، وحينئذٍ يتكون لدى الإنسان «حس جمالي» أو ما يسميه بعضهم «ذوقًا جماليًا» تكون له القدرة على إدراك الجمال مباشرة حيثما كان وأينما وجد .. وإدراك الوجه المقابل أيضًا، أي إدراك الخلو من الجمال.
فإذا تجاوزنا السطح وذهبنا في الأعماق وتجاوزنا النظرة العابرة المباشرة إلى تكرار النظر، أو الوقفة المتأنية .. فإننا نكون أمام «التذوق الجمالي» .
إنه إدراك للمعاني والنسب، للمضمون والموضوع، وتعامل مع السمات الجمالية بحيث تأخذ أبعادها على الشيء المنظور أو الموضوع في دائرة الإدراك والتأمل، إنه انتقال من الإدراك الحسي الظاهر إلى إدراك معنوي باطن، وهو الذي يكون بحاسة «القلب» .
يقول الإمام الغزالي: «ولكن الجمال إن كان بتناسب الخلقة وصفاء اللون أدرك بحاسة البصر، وإن كان الجمال بالجلال والعظمة وعلو الرتبة وحسن الصفات والأخلاق، وإرادة الخيرات لكافة الخلق وإفاضتها عليهم على الدوام، إلى غير ذلك من الصفات الباطنة أدرك بحاسة القلب» [1] .
وقد بينا في القسم الثاني من الباب السابق العوامل التي تنمي هذا الذوق وترفع من مستواه حتى يصبح تذوقًا.
ونستطيع القول بأن ساحة التذوق وميدانه هو الجمال المعنوي، بينما يرتع الحس الجمالي في ميدان الجمال الحسي الظاهر، فإذا توافق الأمران وقام التناسق بينهما كنا أمام ذروة الجمال، وتلك صفة الجمال في صنعة الله تعالى.
(1) ... إحياء علوم الدين 2/ 280.