فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 138

والإنسان في هذا العالم لا يعيش منفردًا، بل هو واحد في مجتمع، ووجود المجتمع ينشئ علاقات متنوعة بين الأفراد ..

وهناك علاقة الأفراد بخالقهم سبحانه.

وعلاقتهم بالكون من حولهم ..

وكل هذه الوشائج تحتاج إلى تنظيم وتشريع يضبطها ..

ومرة أخرى يتدخل المنهج الإسلامي ليقول للعقل: إن ضبط هذه العلاقات ووضع تشريع لها .. ليس من اختصاصك.

والمنهج لا يقول هذا تعنتًا، وإنما تطبيقًا لمعطيات العقل نفسه في هذا الأمر.

إن وضع تشريع لهذا الإنسان يحتاج إلى معرفة كاملة به، وما لم تكن هذه المعرفة كاملة، فإن ذلك التشريع لن يكون ملائمًا.

وبما أن معرفتنا بالإنسان ضئيلة جدًا، فإن أي تشريع يضعه إنسان سيكون ضرره أكبر من نفعه.

ولذا فقد أعفى المنهج العقل من هذه المهمة.

وقد يغتر بعضهم فيقول: إن معلوماتنا عن الإنسان قد قطعت أشواطا ًبعيدة في شتى ميادين المعرفة المرتبطة به، ولذا فإننا نستطيع وضع هذا التشريع وفقًا لهذه المعلومات.

وجوابًا على هذا القول نترك الكلام لـ «ألكسيس كاريل» الذي عاش حياته كلها في دراسة الإنسان، دراسة ميدانية، من خلال عيادته الطبية، فدرس جسم الإنسان ونفسيته وأخلاقه .. وهو يحدثنا عما توصل إليه العلم عن الإنسان.

يقول: «الإنسان كل لا يتجزأ، وفي غاية التعقيد، ومن غير الميسور الحصول على عرض بسيط له، وليست هناك طريقة لفهمه في مجموعه، أو في أجزائه في وقت واحد، كما لا توجد طريقة لفهم علاقاته بالعالم الخارجي .. ولكي نحلل أنفسنا فإنا مضطرون إلى الاستعانة بفنون مختلفة، وإلى استخدام علوم عديدة، ومن الطبيعي أن تصل كل هذه العلوم إلى رأي مختلف في غايتها المشتركة، فإنها تستخلص من الإنسان ما تمكنها وسائلها الخاصة من بلوغه فقط، وبعد أن تضاف هذه المستخلصات إلى بعضها فإنها تبقى أقل غناء من الحقيقة الصلبة .. إنها تخلف وراءها بقية عظيمة الأهمية بحيث لا يمكن إهمالها، .. إن التشريح والكيمياء والفسيولوجيا وعلم النفس والبيداغوجيا (فن التعليم) والتاريخ وعلم الاجتماع والاقتصاد السياسي، لا تلم بجوانب موضوعها كلها، والإنسان - كما هو معروف للأخصائيين - أبعد من أن يكون الإنسان الجامد ..

وفي الحق، لقد بذل الجنس البشري مجهودًا جبارًا لكي يعرف نفسه، ولكن بالرغم من أننا نملك كنزًا من الملاحظة التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء، وكبار العلماء الروحانيين في جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا .. إننا لا نفهم الإنسان ككل .. إننا نعرفه على أنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت