إن عدم إدراك العقل للمجهول، لا ينفي وجوده في ضمير الغيب المكنون، وإن عليه أن يكل الغيب إلى طاقة أخرى غير طاقة العقل، وأن يتلقى العلم في شأنه من العليم الخبير الذي يحيط بالظاهر والباطن والغيب والشهادة .. » [1] .
وإذن: فميدان عمل الفكر هو عالم الشهادة. حيث التعرف على نواميس الكون، وحيث النظر والبحث والتقصي والتجريب والإبداع والابتكار في عالم المادة.
وهذا العالم - عالم الشهادة - هو الميدان الذي تبنى به العقيدة البناء الصحيح، وكما ألحت الآيات القرآنية على التفكر في خلق السماوات والأرض .. وفي كل ما خلق الله .. في الإنسان والحيوان والنبات والجماد .. في الجبال والشجر والزرع .. هذا التفكير الذي يضع العقل أمام عظمة الخالق سبحانه .. ومن هنا كان التفكير عبادة من أفضل العبادات في مجال التعرف على عظمة الخالق سبحانه.
قال تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ... } [2] ؟؟
وقال تعالى في وصف أولي الألباب: { ... وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ ... } [3] .
وكم تكرر قوله تعالى: { ... إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [4] .
وهذا التفكير هو التفكير المجدي والمفيد وإليه أرشد الرسول الكريم بقوله: «تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله» [5] .
وقوله:
«وتفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله» [6] .
إنه الأخذ بيد الفكر إلى الطريق المنتج والمثمر ..
وعالم الشهادة - بعد هذا - ميدان واسع رحب، به تتحقق مهمة الإنسان التي هي الخلافة على ظهر هذه الأرض، حيث يسعى في تنمية وسائله والرقي بها إلى المستوى الجمالي.
(1) ... في ظلال القرآن 1/ 40.
(2) ... سورة الأعراف. الآية: 185.
(3) ... سورة آل عمران. الآية: 191.
(4) ... من ذلك في سورة الرعد الآية 3، وفي سورة الروم، الآية 21 ..
(5) ... صحيح الجامع الصغير برقم 2972.
(6) ... صحيح الجامع الصغير برقم 2973.