فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 138

ومع ذلك، فإذا ما حدث عارض ما يبعث رائحة كريهة فينبغي التخلص منه، وهذا ما رأيناه في فعل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

قالت عائشة رضي الله عنها: «صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بردة سوداء، فلبسها، فلما عرق فيها وجد منها ريح الصوف فقذفها» [1] .

إنه لا فائدة من استعمال الطيب، وهناك مصدرًا آخر لرائحة سيئة.

* الثانية: الطيب والمجتمعات:

والتصعيد الجمالي في أمر الطيب، شأنه شأن الطهارة والثياب، وكلما عظم حجم المجتمع كان الأمر أوكد.

ففي صلاة الجماعة اليومية ورد التأكيد المتتابع على الابتعاد عن كل الروائح السيئة، وتلك هي الدرجة الأولى في تحقيق الجو النظيف، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم كل من أكل ثومًا أو بصلًا عن حضور المسجد، ذلك أن هذين النوعين من الطعام مصدر ومبعث للروائح الكريهة.

عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الثوم: «من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا» [2] .

ويرد التعليل لهذا المنع في رواية أبي هريرة. قال صلى الله عليه وسلم: «من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا ولا يؤذينا بريح الثوم» [3] .

وليست القضية قاصرة على الثوم، وإنما الثوم نموذج لهذه الأنواع من المأكولات.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل ثومًا أو بصلًا، فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا» .

وفي رواية أخرى «من أكل البصل والثوم الكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى بما يتأذى منه بنو آدم» [4] .

وتشير الرواية الثانية إلى أن الملائكة تتأذى من ذلك ... وهذا تأكيد آخر للنهي.

والذي يبدو أن بعض الصحابة حمل هذا النهي على محمل استحسان البعد عن ذلك، فكأنهم لم يلتزموا بذلك، الأمر الذي احتاج إلى بيان أوضح. توضحه رواية عمر رضي الله عنه حيث قال: « .. ولقد

(1) ... رواه أبو داود برقم 4074.

(2) ... متفق عليه. انظر جامع الأصول 7/ 442.

(3) ... رواه مسلم. جامع الأصول 7/ 442.

(4) ... رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. انظر جامع الأصول 7/ 440.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت