فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 138

وقال ابن ماجه: البذاذة: يعني القشافة، يعني التقشف [1] .

وقال في الإحياء: هو الدون من اللباس [2] .

ومن شرح الكلمة يتبين لنا أن البذاذة لا تعني الثياب الوسخة، أو الثياب المرقعة أو الثياب الممزقة. وإنما تعني الثياب المتواضعة الثمن والتي ربما كانت خشنة الملمس.

ويبدو أن بعض الصحابة جذبهم الحديث عن الدنيا في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يردهم إلى جادة الصواب ويبين لهم أنه مما لا ينبغي للمسلم أن تستأثر الدنيا باهتمامه كله، وأن هذا الاهتمام ينبغي أن يكون ضمن حدود المنهج الإسلامي.

والحياة الدنيا لست كلها على وتيرة واحدة، فهناك الفقر والغنى .. والإنسان ينبغي أن يوطن نفسه أن يتعايش مع كل منهما ..

وترك الزينة مع القدرة عليها ترجع قيمته المعنوية إلى الباعث عليه، فإن كان البخل والشح .. وهو الباعث فهذا مما ينكره الإسلام، وإن كان الدافع هو مواساة الآخرين الذين لا يقدرون على ثياب الزينة .. فذلك من الإيمان. وهو ما يذكرنا يفعل عمر رضي الله عنه عام الرمادة .. إذ منع نفسه من تنال الدهن مساواة لنفسه مع الفقراء من الناس.

ومن باب التربية العامة ينبغي للإنسان وإن كان قادرًا على الرفاهية أن يأخذ نفسه بالخشن من الحياة بعض الأحيان، ومن ذلك ما ورد في الحديث «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نحتفي أحيانًا» [3] .

إن الحديث الشريف لا يخرج عن الخط العام، ولقد أخطأ الذين فهموا خطة اللباس كلها من خلال هذا الحديث، وأعرضوا عن جميع النصوص الأخرى وعن ما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر ملبسه، ولقد زاد هذا الخطأ سوءًا إذ انحرف أصحابه عن المعنى الذي ذكرناه (للبذاذة) فذهبوا إلى لبس المرقعات ..

وقد بين أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله خطأهم فقال: «وأنا أكره لبس الفوط والمرقعات لأربعة أوجه:

أحدها: أنه ليس من لبس السلف، وإنما كانوا يرقعون ضرورة.

والثاني: أنه يتضمن ادعاء الفقر وقد أمر الإنسان أن يظهر أثر نعم الله عليه.

والثالث: إظهار التزهد، وقد أمرنا بستره.

والرابع: أنه تشبه بهؤلاء المتزحزحين عن الشريعة. ومن تشبه بقوم فهو منهم.

(1) ... سنن ابن ماجه 2/ 1379.

(2) ... إحياء علوم الدين 3/ 355.

(3) ... رواه أبو داود برقم 4160، وانظر جامع الأصول 4/ 679.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت