ثم قال: «فإن قال قائل: تجويد اللباس هوى النفس، وقد أمرنا بمجاهدتها، وتزين للخلق، وقد أمرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق، فالجواب:
ليس كل ما تهواه النفس يذم، وليس كل ما يتزين به للناس يكره، وإنما ينهى عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه، أو على وجه الرياء في باب الدين، فإن الإنسان يحب أن يرى جميلًا، وذلك حظ للنفس لا يلام فيه» [1] .
وأما حديث حجة الرسول صلى الله عليه وسلم، فذلك موضوع آخر، لا يمت إلى ما نحن فيه بصلة. إنه ضرب من جماليات هذا المنهج.
ونحب أن نبين منذ البدء أن «الرثاثة» التي أشار إليه الحديث بقوله «على رحل رث» هي البذاذة نفسها التي سبق الحديث عنها وقد بينا معناها. قال صاحب القاموس: الرثاثة: البذاذة.
إن الحديث يتناول هيئة الرسول صلى الله عليه وسلم في مناسبة معينة هي الحج: والحج عبادة تقوم على الخضوع والتذلل لله تعالى بحيث يبلغ هذا الخضوع غايته، وما لباس الإحرام إلا بعض التعبير عن ذلك، حيث يتساوى الناس في شكل موحد من اللباس، يغيب الإنسان فيه، مهما كان شأنه في خضم تلك الموجات البشرية، التي تنازلت عن كل شيء يميزها عن الآخرين، إنه تجرد من اللباس والألقاب .. هناك حيث يختفي كل شيء ليظهر شيء واحد هو العبودية لله تعالى.
إن هذا الموقف لا يصلح له إلا ذلك النوع من اللباس والرحل المتواضع، إنه التناسق الذي يقوم في طبيعة هذا المنهج ..
وقد قلنا إن الخط العام أن المنهج يصعد الخط الجمالي في المناسبات التي يجتمع فيها الناس. وبينا ذلك في موضوع النظافة حيث يصل الخط ذروته في الحج، ولكنا في أمر اللباس لم نتكلم عن الحج، ذلك أن له ذلك الجو الذي يتطلبه من البعد عن الرفاهية، لا البعد عن النظافة إن التواضع سمة ضرورية لهذا الموقف.
وليس هذا الأمر قاصرًا على الحج وحده، بل يلتقي معه في الاتجاه نفسه، مواقف أخرى لها تلك الخصائص ذاتها، منها صلاة الاستسقاء.
ومن أجل هذه الصلاة يخرج الإمام مع الناس إلى المصلى خارج البلد ... متنظفين في ثياب بذلة، متواضعين .. بخلاف العيد .. ، ذلك بعض ما ورد في السنة بشأن هذه الصلاة، مما له ارتباط بموضوعنا.
إنه موقف آخر يتحقق فيه التناسق .. وصلاة الاستسقاء: تعني تعبير الناس عن ضعفهم وذلتهم واستكانتهم. وحاجتهم إلى رحمة الله تعالى، إنها تحتاج إلى مظهر يتناسب مع هذا المعنى .. فهي بخلاف صلاة العيد التي هي تعبير عن فرح وسرور ..
(1) ... عن تفسير (الجامع لأحكام القرآن) للقرطبي في تفسير الآية (32) من سورة الأعراف.