* هذا الفهم هو ما ذهب إليه جمهور المسلمين، لوضوحه من سيرته صلى الله عليه وسلم.
جاء في زاد المعاد: دخل الصلت بن راشد على محمد بن سيرين، وعلى الصلت جبة صوف وإزار صوف، وعمامة صوف، فاشمأز منه محمد، وقال: أظن أن أقوامًا يلبسون الصوف ويقولون: قد لبسه عيسى ابن مريم، وقد حدثني من لا أتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد لبس الكتان والصوف والقطن، وسنة نبينا أحق أن تتبع [1] .
وللقرطبي في هذه المسألة كلام جميل ننقل بعضه قال:
«روي عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب [2] ، شيخ مالك، رضي الله عنهم أنه كان يلبس كساء خز بخمسين دينارًا، يلبسه في الشتاء، فإذا كان في الصيف تصدق به، أو باعه فتصدق بثمنه. وكان يلبس في الصيف ثوبين من متاع مصر ممشقين ويقول: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} .
وقد اشترى تميم الداري حلة بألف درهم كان يصلي فيها.
وكان مالك بن دينار يلبس الثياب العدنية الجياد.
وكان ثوب أحمد بن حنبل يشتري بنحو الدينار.
أين هذا ممن يرغب عنه ويؤثر لباس الخشن من الكتان والصوف من الثياب ويقول: «ولباس التقوى ذلك خير» هيهات!! أترى من ذكرنا تركوا لباس التقوى؟ لا والله! بل هم أهل التقوى وأولو المعرفة والنهى، وغيرهم أهل دعوى، وقلوبهم خالية من التقوى ..
قال الطبري: ولقد أخطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان مع وجود السبيل إليه من حله .. » [3] .
بعد هذه الجولة نعود إلى الحديث الأول، نحاول فهمه في ضوء الخط العام الذي أوضحناه. ويحسن بنا أن نثبت النص الكامل للحديث:
«عن أبي أمامة قال: ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا عنده الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تسمعون، ألا تسمعون؟ إن البذاذاة من الإيمان، إن البذاذاة من الإيمان، يعني التقحل» .
وشرح ابن الأثير، مؤلف جامع الأصول: كلمة (البذاذة) فقال:
(البذاذة) : رثاثة الهيئة، وترك الزينة، والمراد به: التواضع في اللباس، وترك التبجح به [4] .
(1) ... المصدر السابق ص 1/ 143.
(2) ... هو زين العابدين رحمه الله.
(3) ... تفسير (الجامع لأحكام القرآن) في تفسير الآية 32 من سورة الأعراف.
(4) ... جامع الأصول 4/ 680.