قلت: ولا شكَّ في أنَّ صومَ عَرَفةَ وعاشوراءَ أَخَصُّ من النهي عن صومِ كُلِّ سبت, فإذًا هما يُخصِّصانِهِ.
ومِمَّا يُعْلَمُ به أنَّ النهي عن السَّبْتِ عامٌّ مخصوصٌ: أنَّه لم يُؤثر عن السلف صحابةً وتابعين فيما هو محفوظٌ منقولٌ أنَّهم كانوا يَتركون الفضائلَ إذا وافقت سَبْتًا, لا عن المُكثرينَ للصوم كعبدالله بن عمرو بن العاص الذي كانَ يصوم الدهرَ, ولا عن غيرهِ في ذلك الزمن زمنِ الصَّوم والقَوْم.
وحسبُنا طريقةُ السلف بفَهم الدين في تخصيص العامِّ بمُعَارِضِهِ الخاص, إذ من اليقين أنَّ الفضائل وافقت في زمانهم سَبْتًا بل سُبُوتًا وأسبُتًَا ومع ذلك لم يُنقل أنَّهم تركوها, ولو تركوها لنُقِل تركُهم لأجلِ عظيمِ التركِ لعظيمِ الأجر, لا لأنَّ التركَ يجبُ نقلُهُ, وفي تخصيص السَّبْتِ بأيام الفضائل إعمالٌ للدليلين, والإعمالُ مُقدَّمٌ على الإهمال.
ويمكن أنْ يُقالَ بناءً على ما تقدَّم: أنَّ النهي عن صوم السَّبْتِ عامٌّ يُراد به الخصوصُ, أي يُراد به التطوُّعُ المُطلقُ, وأمَّا التطوعُ المشروعُ في زمنه ومُناسبته أو سببه وعُلِّق عظيمُ أجرهِ بالصوم لابالترك, كتعليق غُفرانِ السنتين بصومِ عَرَفةَ, وغُفرانِ سنةٍ بصوم عاشوراءَ, فهذا الصومُ غيرُ داخلٍ في عموم النهي, وبهذا يُجمع بين الأحاديث, ومن ثَمَّ يَبطلُ الاحتجاجُ بقاعدةِ: (الحاظِرُ مُقدَّمٌ على المُبيح) لإمكان الجَمْعِ, وكذا يَبطلُ الاحتجاجُ بقاعدة: (مَنْ ترك شيئًا لله عوَّضهُ اللهُ خيرًا منه) فأيامُ الفضائل لا يَعمُّها النهيُ.
لو قيل: النهيُ عن صوم السَّبْتِ خاصٌّ!! فكيف تقولون بعمومه؟!.