فهذا من أعظم المُخصِّصات للنهي عن السَّبْتِ, إذِ المحظورُ مُنْتفٍ قطعًا, وسلفُنا فيه سلفُنا, وكأنَّي أكاد أقْطَعُ به, لا قَطَعَنا اللهُ من رحمته وهدايتهِ وعلمهِ وفضله.
قد يُقالُ بما أنَّ صومَ السَّبْتِ قد حَرُم صومُهُ مُطلقًا, فنيَّةُ من أراد صومَهُ عند موافقتِهِ عَرَفةَ أو عاشوراءَ غيرُ مُعتبرة والنيَّةُ لا تُبيح نهيًا, كمن يلبس ثيابَ الكفار التي يختصون بها تارِكًا ونابِذًا لِباسَ المسلمين وراءَهُ ظِهْرِيًَّا زاعِمًا أنَّه لم يَنوِ تَشبُّهًا!! وكمن يصلي عند طلوع الشمس أو غروبِها [1] مُحتجًَّا بأنَّه يسجد للرحمن صادِقًا مُخلِصًا لا للشيطان!!.
فأقول: نعم هذا هو الأصلُ أي أنَّ النيَّةَ لا تُبيحُ نهيًا, لكنْ تقدَّم فيما مضى أنَّ النهي مخصوصٌ, فعَرَفةُ يُخصِّصُ عمومَ النهي في السَّبْتِ, ولكنَّ الذي يتشبَّهُ بالكفَّار مُحتجًَّا بسلامة نيته!! تشبُّهُهُ أقوى وأكبرُ من نيته فيحرمُ فِعلُهُ, فالنهيُ عن التشبُّهِ لم تُخصصْ منه صورةُ سلامة القلب.
وكذا مَن يصلي عند الطلوع أوِ الغروب لم تُعتبر في فعله النيَّةُ, فَسجودُه لله عندما تكون الشمسُ بين قَرْني شيطانٍ, تكون معه المشابَهةُ للكفَّار أقوى من نيته, فيكونُ فِعلُهُ محظورًا, بخلاف عَرَفةَ وعاشوراءَ فهما أقوى من وعائهما من الأيام, فلا عِبرةَ بموافقتِهِما سَبْتًا أو غيرَهُ فيبقى الحُكْمُ لهما, وهما غيرُ داخلينِ في النهي, لأنَّ شعيرةَ عَرَفةَ التي يُحِبُّها اللهُ هي وقوفٌ للحاجِّ ثَمَّ, وصومٌ لِمَنْ لم يشهدْ حجَّ بيتِهِ.
(1) ورد في ذلك النهيُ كما عند البخاري (3272) ومسلم (828) بنحوه من حديث ابن عمر مرفوعًا: «إذا طلع حَاجِبُ الشَّمْسِ فدعوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَبْرُزَ, وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فدعوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَغِيبَ ولا تحيَّنوا بصلاتكم طلوعَ الشمس ولا غروبَها فإنها تطلع بين قرني شيطان» .