لكنْ يرِد على هذا الفهم: أنْ لاقياسَ بوجودِ النص, فالجُمُعَةُ جاز صومُها مقرونةً لوجود النص, وأمَّا السَّبْتُ ففيه النهيُ المطلقُ ولم يُستثنَ إلا الفرضُ, فالقياسُ حينَئِذٍ بوجود هذا النهي المُفصَّل المُبَيَّنِ ممنوعٌ واللهُ أعلَمُ.
ومن الإنصاف في ظني واللهُ أعلَمُ أنْ أقول: إنَّ الاستدلال بحديث جويرية وما يُشبهه لجواز صوم السَّبْتِ مقرونًا بغيره لايستقيمُ! ذلكم بأنَّ النهي عن صوم السَّبْتِ كأنَّه جاء مُتأخِّرًا عن حديث جويرية وأشباهه في إباحة القِران, ومن قرائن تأخره:
أولًا: عدمُ اشتهاره عند أكابر الصحابة رجالًا ونساءً, وتخصص آل بُسْر به وأبي أمامة -إنْ صح الإسنادُ إليه-.
ثانيًا: حديثُ جويرية فيه إشارةٌ للتأخُّر, لكونه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا علَّمها أنْ لاتُفرِدَ الجُمُعَةَ بصوم, لم يُرشِدْها ويُحذِّرْها من الوقوع في إفراد السَّبْتِ, على القول بأنَّ المراد هو إفرادُ السَّبْتِ, وكذا على القول بالنهي المُطلق لم يَنهَهَا عن صومه, وقد كانَ من سُنَّتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يُجيب السائلَ بأكثرَ مِمَّا يحتاجه؟! فلو كان النهيُ عن صوم السَّبْتِ قائمًا معروفًا حينَئِذٍ, لكانَ إرشادُها فيه من صُلب حاجتها, ولا يجوزُ تأخيرُ البيان عن وقت الحاجة.
ثالثًا: ومِمَّا يُقوِّي التأخُّرَ أنَّ النهي عن السَّبْتِ لم يكن معروفًا في الأحاديث التي تمنعُ صومَ بعضِ الأيام كحديث أنس عند أبي داوُدَ الطيالسي في مسنده (2105) قال: «نهى رسولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن صوم ستةِ أيامٍ من السنة: ثلاثةِ أيام من التشريق ويومِ الفطر ويومِ الأضحى ويومِ الجُمُعَةِ مختصةً من الأيام» وصححه الألباني في الصحيحة (2398) .