فعَرَفةُ وعاشوراءُ أقوى من النهي عن صوم يوم السَّبْتِ لأنَّهما خاصَّانِ والنهيُ عن صوم السَّبْتِ عامٌّ, فيُقدَّمُ صومُهما على النهي فيه, ولا يُعطى الأقوى حُكْمَ الأضعف, وكذا فالسياقُ في أحاديث صوم الفضائل سياقُ فضائلَ وإنعامٍ وليس سَوقًا لأسماء الأيام, وعلى هذا فعند إقبال عَرَفةَ نَستصحِبُ أصلَ إباحةِ صومه، أي أنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما قال: (صوموه إلا إذا وافق سَبْتًا) !! بل ونستصحِبُ عظيمَ أجره فنصومه لهذين الأصلين.
وإنْ قيل: قدِ انتقضا بحديثِ آلِ بُسْرٍ؟!.
قلنا: لا تعارضَ, فحديثُ آلِ بُسْر عامٌّ وصومُ عَرَفةَ خاصٌّ فيُقدَّم عليه مُطلقًا, وتقديمُنا لا يعني ردَّ الحديث بل يعني تخصيصَهُ وبهذا نكون قد أخذنا بالحديثين.
ويشهدُ لهذا الجَمْعِ أنَّنا ما عَلِمنا أحدًا من السلف ترك فضيلةً بَلْهَ الفضائلَ عند موافقتها سَبْتًا أو جُمُعَةً، مع كَثرةِ موافَقَةِ السَّبْتِ للفضائل, مع قوَّةِ الداعي لنقلِ الترك لو وَقَعَ, وذلك لعجيبهِ وغُربتهِ.
وبهذا انفكَّتِ الجهةُ ووقع كلُّ حديثٍ موقِعَهُ وأخَذَ مأخَذَهُ ولم يتواردا موردًا واحدًا حتى يقوم التعارضُ, أي كأنَّه صار عندنا يومان: يومُ سبتٍ ويومُ عَرَفةَ والنهيُ واقعٌ على صوم السَّبْتِ وليس على عَرَفةَ وإنَّما الأعمالُ بالنيَّات, وقد يتوافقانِ فيجتمعانِ فيُحكمُ فيه للمقصود بالصوم, وصائمُ عَرَفةَ ما أراد السَّبْتَ فيسبِقُ صومُه تركَهُ, والله أعلم.