وصومُهُ هذا لَمَّا نَظر فيه لحال اليهود والنصارى خشيَ فيه من مُشابَهَتِهم بتعظيم عاشوراءَ كهم, ونحن منهيونَ عن التشبُّهِ بهم وإنْ لم نقصدْهُ لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» . [1]
لذا فقد نأى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن تلك المشابهة غيرِ المقصودة وغيرِ الكاملة إلى ما هو خيرٌ, وكما أَخْرَجَ مسلم (1134) من حديث أبي غَطَفَانَ بْنِ طَرِيفٍ الْمُرِّىِّ يَقُولُ سَمِعْتُ عَبْدَاللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ. قَالَ: فَلَمْ يَاتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» .
قلت: فَأفَادَنا ما تقدَّم أنَّ العبادةَ الواحِدةَ قد تكون مشروعةً من وجهٍ وممنوعةً أو مكروهةً أو خلافَ الأولى باعتبارٍ ووجهٍ آخرَ، فعاشوراءُ لَمَّا نُظِر له على أنَّه يوم أنجى الله فيه موسى فَصَامَهُ, وقد كانَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوَّلَ الأمر يُحِب موافقةَ أهل الكتاب قال: «فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ» فصامه وأمر بصيامه, ولَمَّا قيل له: «إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى» خشي من الوقوع في مشابهتهم في تعظيمه ولو بصومه, وهذا كانَ آخِرًا، فقال: «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ» .
قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ» هو قَطعًا متأخِّرٌ, وذلك لقولِ ابن عباس: «فَلَمْ يَاتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» فلو كانَ النهيُ عن السَّبْتِ بهذا العموم, وأنَّ الفضائلَ لاتُخصِّصُهُ, لَقالَ نبيُّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثلًا: (فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ صُمْنَا التَّاسِعَ إذا لم يوافِقْ سَبْتًا) أو نحوَهُ, فلَمَّا لم يقلْ ذلك عُلِم أنَّ النهي عن السَّبْتِ
(1) هو قطعة من حديث ابن عمر عند أحمد (5114) وأبي داوُدَ (4031) وصححه الألباني في الإرواء (1269) وأما الطبراني في الأوسط (8/ 179/8327) فأخرجه من حديث حذيفة.