وَنَظِيرُ هَذَا الْحُكْم أَيْضًا كَرَاهِيَةُ إِفْرَاد رَجَب بِالصَّوْمِ, وَعَدَم كَرَاهِيَته مَوْصُولًا بِمَا قَبْله أَوْ بَعْده. وَنَظِيرُهُ أَيْضًا: مَا حَمَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَيْهِ حَدِيثَ الْعَلَاء بْن عَبْدالرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي النَّهْي عَنْ الصَّوْم بَعْد اِنْتِصَاف شَعْبَان: أَنَّهُ النَّهْي عَنْ اِبْتِدَاء الصَّوْم فِيهِ، وَأَمَّا صَوْمه مَعَ مَا قَبْله مِنْ نِصْفه الْأَوَّل فَلَا يُكْرَه ... قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلكُمْ: إِنَّ الِاسْتِثْنَاء دَلِيل التَّنَاوُل -إِلَى آخِره- فَلَا رَيْب أَنَّ الِاسْتِثْنَاء أَخْرَجَ صُورَةَ الْفَرْض مِنْ عُمُوم النَّهْيِ. فَصُورَةُ الِاقْتِرَان بِمَا قَبْله أَوْ بِمَا بَعْده أُخْرِجَتْ بِالدَّلِيلِ الَّذِي تَقَدَّمَ, فَكِلَا الصُّورَتَيْنِ مُخْرَج: أَمَّا الْفَرْض: فَبِالْمُخْرَجِ الْمُتَّصِل. وَأَمَّا صَوْمه مُضَافًا: فَبِالْمُخْرَجِ الْمُنْفَصِل, فَبَقِيَتْ صُورَة الْإِفْرَاد, وَاللَّفْظُ مُتَنَاوِلٌ لَهَا, وَلَا مُخْرِج لَهَا مِنْ عُمُومه, فَيَتَعَيَّن حَمْلُه عَلَيْهَا )) .
-رابع عشر: الحافظ ابن حجر وكلامُهُ النفيسُ في المخالفة:
في الفتح (10/ 443) وتحت (باب الفَرْق) من (كتاب اللباس) وفي حديث ابْنِ عَبَّاسٍ عند البُخَارِي (5917) ومسلم (2336) : «كانَ النبيُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فيه, وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدُلُونَ أَشْعَارَهُمْ, وكانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ, فَسَدَلَ النبيُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاصِيَتَهُ, ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ» .
قال الحافظ هناك: (( قوله «كانَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فيه» في رواية مَعْمَر: «وكانَ إذا شكَّ في أمرٍ لم يُؤمر فيه بشيءٍ صنع ما يصنع أهلُ الكتاب» .
-قوله: «وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدُلُونَ أَشْعَارَهُمْ» ... أي يُرسلونها, قوله: «وكانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ» ... وكأنَّ السِّرَّ في ذلك أنَّ أهل الأوثان أبْعَدُ عن الإيمان من أهل الكتاب, ولأنَّ أهل الكتاب يتمسَّكون بشريعةٍ في الجملة, فكانَ يُحِبُّ موافقتَهم ليتألَّفهم ولو أدَّت موافقتُهم إلى