فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 101

ذَكَرَ رَحِمَهُ الله بعضَ أقوال أهل العلم المُتقدِّمَةِ في كتابه زاد المعاد (2/ 75) ثُمَّ قال: (( وقال جماعةٌ من أهل العلم: لا تعارُضَ بينه وبين حديث أم سَلَمَةَ، فإنَّ النهي عن صومه: إنَّما هو عن إفراده، وعلى ذلك تَرْجَمَ أبو داوُدَ ... قالوا: ونظيرُ هذا أنَّه نهى عن إفراد يوم الجُمُعَةِ بالصوم إلا أنْ يصوم يومًا قَبْلَهُ أو يومًا بَعْدَهُ، وبهذا يزولُ الإشكالُ الذي ظنَّهُ مَنْ قال: إنَّ صومَهُ نوعُ تعظيمٍ له: فهو موافَقَةٌ لأهل الكتاب في تعظيمه، وإنْ تضمَّن مخالفتَهم في صومه، فإنَّ التعظيم إنَّما يكون إذا أُفرِدَ بالصوم ولا ريب أنَّ الحديث لم يجيء بإفراده، وأمَّا إذا صامه مع غيره، لم يكن فيه تعظيمٌ واللهُ أعلَمُ ) )انتهى.

وقال في حاشيته على سُنن أبي داوُدَ (7/ 49) : (( وَهَذِهِ طَرِيقَة جَيِّدَة, لَوْ لَا أَنَّ قَوْله فِي الْحَدِيث: «لَا تَصُومُوا يَوْم السَّبْت إِلَّا فِيمَا اِفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» دَلِيل عَلَى الْمَنْع مِنْ صَوْمه فِي غَيْر الْفَرْض مُفْرَدًا أَوْ مُضَافًا, لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاء دَلِيلُ التَّنَاوُل, وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ يَتَنَاوَل كُلَّ صُوَرِ صَوْمِهِ, إِلَّا صُورَةَ الْفَرْض وَلَوْ كَانَ إِنَّمَا يَتَنَاوَل صُورَة الْإِفْرَاد, لَقَالَ: لَا تَصُومُوا يَوْم السَّبْت إِلَّا أَنْ تَصُومُوا يَوْمًا قَبْله أَوْ يَوْمًا بَعْده, كَمَا قَالَ فِي الْجُمْعَة. فَلَمَّا خَصَّ الصُّورَة الْمَاذُونَ فِي صَوْمهَا بِالْفَرْضِيَّةِ عُلِمَ تَنَاوُلُ النَّهْيِ لِمَا قَابَلَهَا, وَقَدْ ثَبَتَ صَوْمُ يَوْم السَّبْت مَعَ غَيْره بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيث وَغَيْرهَا كَقَوْلِهِ فِي يَوْم الْجُمْعَة: «إِلَّا أَنْ تَصُومُوا يَوْمًا قَبْله أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ» . وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ قَالَ مَالِك: هَذَا كَذِب. وَذَكَر بِإِسْنَادِهِ عَنْ الزُّهْرِيّ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذُكِرَ لَهُ النَّهْي عَنْ صِيَام يَوْم السَّبْت, يَقُول: هَذَا حَدِيث حِمْصِيّ. وَعَنْ الْأَوْزَاعِيّ قَالَ: مَا زِلْت كَاتِمًا لَهُ حَتَّى رَأَيْته اِنْتَشَرَ, يَعْنِي حَدِيث اِبْن بُسْر هَذَا, فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ غَيْرُ مَحْفُوظ وَأَنَّهُ شَاذٌّ ... وَقَالَتْ طَائِفَة, مِنْهُمْ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيث مَنْسُوخ. وَقَالَتْ طَائِفَة, وَهُمْ أَكْثَرُ أَصْحَاب أَحْمَد: مُحْكَمٌ, وَأَخَذُوا بِهِ فِي كَرَاهِيَة إِفْرَاده بِالصَّوْمِ, وَأَخَذُوا بِسَائِرِ الْأَحَادِيث فِي صَوْمه مَعَ مَا يَلِيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت