وإمعانا في قطع جذور المدارس العربية الإسلامية أصدر الحاكم الاستعماري"فهدرب" (Phederb) قرارا عام 1857 م ثم تبعه قرار آخر عام 1897 م يمنع فيها إعطاء تراخيص لفتح المدارس العربية الإسلامية إلا بشروط معينة، صارمة ومعقدة. وأن يكون فقط للطلاب الذين لم يصلوا إلى سن الالتحاق بالمدارس الفرنسية. وأن هذه المدارس ليست مدارس يتلقى فيها العلم، فلا تستحق إشراف وزارة التربية، بل تبقى تحت إشراف ووصاية وزارة الداخلية!!
شعر بعض النابهين من علماء المسلمين بضرورة تحديد نظم المدارس وأساليبها ومناهجها، وذلك لمواكبة روح العصر، وزامن ذلك التحول الكبير الذي حدث في المشرق ـ مصدر ثقافة السودان ـ في عهد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ومدحت باشا وغيرهم، من رواد النهضة العلمية الحديثة، فأسسوا مدارس على غرار المدارس الفرنسية الحديثة، بحيث يجلس التلاميذ على مقاعد، ويأخذون معا درسا واحدا، يتنوع هذا الدرس في اليوم الواحد، ويضاف إلى علوم الدين بعض الأمور الحسابية، والمطالعة، واللغة بأسلوب حديث.
بعد أحداث الحرب العالمية الثانية انقلب السحر على الساحر، حيث إن أولئك المتعلمين في مدارس المستعمر الفرنسي، الذين ارتضعوا منها دروس الحرية بدءوا يطالبون بالاستقلال، ورحيل المستعمر؛ ليكونوا هم المسيطرين على البلاد والعباد، وبعد مراوغات كثيرة، والتحول من نظرية الاستيعاب والامتصاص، إلى نظرية الحكم غير المباشر، إلى الرابطة الفرنسية، اضطر المستعمر بطريقة خبيثة إلى إعطاء الاستقلال الذاتي لهذه الدول، بعد أن خطط لهذه الدول خطة تجعلها تابعة له ثقافيا واقتصاديا، فارتحل بحلول عام 1960 م مخلفا وراءه أذنابه الذين انقطع بهم السبل، عن ماضيهم العريق؛ ذي الثقافة العربية الإسلامية، ومجتمعهم الإفريقي، وكذا عن موردهم الجديد، وهي لغة المستعمر التي لم يتعمقوا فيها، فكان المفروض أن يرجعوا ليأخذوا الطريق من حيث أضلوها ـ وهي العودة إلى اللغة العربية والثقافة الإسلامية كما حدث في معظم الدول العربية، ولكنهم تمادوا مع لغة المستعمر يتخبطون فيها، ويحكونها كالببغاوات، ويروجون أفكارها التي