أولى الرّجال بريّ قبر ماجد ... غمر الرّجال تبرّعا وعطاء
ولو انّ دفّاع الغمام يطيعني ... لجرى على قبر اللّئيم غثاء [1]
لا زال تنطف فوقه قطع الحيا، ... بمجلجل يدع الصّخور رواء [2]
وتظنّ كلّ غمامة وقفت به، ... تبكي عليه تودّدا وولاء
وإذا الرّياح تعرّضت بترابه، ... قلنا السّماء تنفّس الصّعداء [3]
إيها تمطّر نحوك الدّاء الّذي ... قرض الرّجال وفرّق القرباء [4]
إنّ الرّماح رزئن منك مشيّعا، ... غمر الرّداء مهذّبا معطاء
وطويل عظم السّاعدين كأنّما ... رفعت بعمّته الجياد لواء [5]
ولقين بعدك كلّ صبح ضاحك ... يوما أغمّ وليلة ليلاء [6]
أنعاك للخيل المغيرة شزّبا ... واليوم يضرب بالعجاج خباء [7]
ولخوض سيفك والفوارس تدّعي ... حربا يجرّ نداؤها الأسماء
وغيابة فرّجتها، ومقامة ... سدّدت فيها حجّة غرّاء [8]
وخلطت أقوال الرّجال بمقول ... ذرب كما خلط الضّراب دماء
ومطيّة أنضيتها، وكلاكما ... تتنازعان السّير والإنضاء [9]
(1) الدفاع: السيل العظيم الغثاء: ورق الشجر يجرفه السيل.
(2) تنطف: تسيل المجلجل: الغيم الراعد.
(3) يعطي الشاعر هنا صورة تكاد تكون جديدة، إذ يجعل الرياح التي تذري التراب فوق قبر الميت نوعا من التنفس الذي معه تعبر السماء عن رضاها.
(4) تمطّر: أسرع.
(5) كان سادات العرب يجعلون من عمائمهم ألوية، أو يتعممون باللواء في القتال.
(6) الليلة الليلاء: الشديدة الظلمة.
(7) شزّبا: ضامرة العجاج: الغبار.
(8) الغيابة: الغامضة الخفية غرّاء: واضحة جلية، مشرقة.
(9) المطية: كل ما يمتطى ويركب أنضيتها: جعلتها هزيلة الانضاء:
اللجام.