القول الخامس:
أنه يجوز لغير الأب أن يزوج الصغيرة، ولا خيار لها إذا بلغت، لأنه عقد بولاية مستحقة بالقرابة، فلا يثبت فيه خيار البلوغ كعقد الأب، وهذا لأن القرابة سبب كامل لاستحقاق الولاية، والقريب هنا قائم مقام الأب في التصرف في النفس، كالوصي في التصرف في المال، فكما أن عقد الوصي يلزم ويكون كعقد الأب فيما قام فعله مقامه، فكذلك عقد الولي، وهذا قول عروة بن الزبير وحماد بن أبي سليمان وأبي يوسف صاحب أبي حنيفة [1] .
القول السادس:
أن اليتيمة إذا بلغت تسع سنين صح تزويجها بإذنها، ولا خيار لها إذا بلغت، ولا يصح تزويجها قبل ذلك، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو المنصوص في أكثر أجوبته، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه إبراهيم بن مفلح وغيرهما، وروي نحو هذا القول عن الإمام مالك في حق اليتيمة المحتاجة إلى النكاح.
واستدل أصحاب هذا القول بالآية التي استدل بها أصحاب القول الثالث وبتفسير عائشة رضي الله عنها لها.
واستدلوا أيضا بالأحاديث التي فيها النهي عن تزويج اليتيمة حتى تستأذن، والتي استدل بها أصحاب القول الأول.
قالوا: الآية صريحة في صحة تزويج اليتيمة، وهي من دون سن البلوغ، لحديث «لا يتم بعد احتلام [2] » ، والأحاديث أوجبت استئمار أو
(1) مصنف ابن شيبة 4/ 140، المبسوط 4/ 215، رد المحتار 2/ 69.
(2) رواه أبو داود في الوصايا باب متى ينقطع اليتم 3/ 115، رقم (2873) ، وعبد الرزاق (كما في تفسير ابن كثير 298/ 1) ، والطحاوي في مشكل الآثار 1/ 280، والطبراني في الصغير ص 96، والخطيب في تاريخ بغداد 5/ 299 من طرق عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال الهيثمي 4/ 334:"رواه الطبراني في الصغير، ورجاله ثقات"، وقال النووي في رياض الصالحين ص 569 (رواه أبو داود بإسناد حسن وقال الحافظ في التلخيص 3/ 101: أعله العقيلي وعبد الحق وابن القطان والمنذر وغيرهم، وحسنه النووي متمسكا بسكوت أبي داود عليه". ورواه عبد الرزاق في الطلاق باب لا رضاع بعد الفطام 7/ 464، وأبو داود الطيالسي ص 243 رقم(1767) ، والبيهقي في الخلع والطلاق باب الطلاق قبل النكاح 7/ 320، وابن عدي في الكامل 2/ 853 من طريقين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. وأعل الشيخ محمد ناصر الدين في الإرواء 5/ 80 - 83 جميع طرق حديث علي، حيث ذكر أن في إحدى طرقه متروكا وفي الأخرى رجلان لا يعرفان، وفي الثالثة مجهول، وأعل طريقي حديث جابر بأن في إحداهما متروكين وفي الأخرى رجل ضعيف، وقوى هذه الطرق برواية الحديث عن ابن عباس موقوفا عليه. وروى هذا الحديث الطبراني في الكبير 4/ 14، رقم (3502) عن محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ثنا سلم بن قتيبة حدثنا ذيال بن عبيد سمعت جدي حنظلة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يتم بعد احتلام، ولا يتم على جارية إذا هي حاضت"، وإسناده حسن، رجاله ثقات، عدا سلم بن قتيبة، وهو صدوق، كما في التقريب 1/ 314، وعدا ذيال بن عبيد، وهو أيضا صدوق كما في التقريب 1/ 239، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 4/ 226:"رجاله ثقات"، وقال الحافظ في التلخيص:"إسناده لا بأس به"."