1 -ففي أوائل عهد نشاط العلماء في المجال الأصولي اشتهر إبراهيم بن سيار الملقب بالنظّام والمتوفى سنة 231هـ. بإنكاره الإجماع، وإمكان تحققه، وعُدَّ رأيه شاذًا (5) . يذكر في المباحث الأصولية عرضًا، وعلى أنه في الأراء المرفوضة. ولم نعلم أنه قدّم تعديلًا أو حلًا آخر لدليلية الإجماع. وقد شاركه في رأيه عدد آخر من العلماء، ولكنّهم قصدوا عدم إمكان ذلك على العهود التالية لعصر الصحابة (6) . بناء على أن أهل الحل والعقد كانوا مجتمعين في المدينة، ولم يكونوا قد تفرقوا في البلدان أو الأمصار. وهم كالنظّام لم يقدموا حلًا أو بديلًا معدلًا لمواصفات الإجماع التي ذكرت في كتب الأصول. وإنما اقتصر كلامهم على الإنكار والرفض.
2 -وعلى مقربة من عهد النظّام كان داود بن علي الأصفهاني الظاهري المتوفى سنة 260هـ، ممن يرفض الرأي والقياس، وألف كتابًا في إبطال القياس. وكان قدوة لمتبّع مذهبه الإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم المتوفى سنة 456هـ. الذي أوقد نار حرب حامية بينه وبين علماء الجمهور، وشدّد النكير على الآخذين بالقياس، مع أنه من المتحمسين للمنطق الأرسطاطاليسي، ومن الذين كانوا يرون المنطق اليوناني من أساسيات المعرفة، وألف في ذلك كتابًا سماه (التقريب لحدّ المنطق) . ولتضييقه على مذهبه في رفض القياس اضطر إلى التوسع في مجال أصالة الإباحة، وأن كل نازلة لا نجد لها حكمًا في نصوص الشارع فهي على الإباحة الأصلية الشرعية، أي أنه يستصحب حكمها، فصار الاستصحاب البديل عن الأخذ بالقياس. ويبدو أن الأخذ بالاستصحاب كان حلاّ لما يشكّله رفض الأخذ بالقياس، وانقاذًا لورطة خلوّ الوقائع عن الأحكام. ولهذا نجد أن الشيعة، وهم ممن يرفضون الأخذ بالقياس أيضًا، توسعوا في الاستصحاب وأكثروا من الكلام عنه، وعن ثلاثة أصول أخرى، وسموا الجميع (الأصول العملية) ، أو الأدلة الفقاهية، وهي الاستصحاب، والبراءة، والاحتياط، والتخيير، سواء كانت هذه الثلاثة الأخيرة شرعية أو عقلية. وقالوا إن الرجوع إليها عند الشك، أو الجهل بالحكم الواقعي، واليأس من تحصيله والعثور عليه، والنتيجة المترتبة على هذه الأدلة، عندهم، لا يسمونها حكمًا، وإنما يطلقون عليها مصطلح الوظيفة، لأن الحكم، عندهم، مصدره الأدلة الاجتهادية الأخرى أي الكتاب والسنة والعقل. والسنة عندهم واسعة تشمل كل ما ينقل عن أئمتهم الأثني عشر أيضًا. ولا شك أن توسعهم بالأخذ بما ذكرناه من الأصول المنتجة للوظيفة، هو محاولة لفتح المجال أمام التعرّف على الأحكام الشرعية أو الوظائف، فيما لا دليل عليه من الشارع.
3 -وفي نهاية القرن السادس الهجري طرح سليمان بن عبدالقوي نجم الدين الطوفي المتوفى سنة 716هـ، رأيًا متطرفًا وشاذًا وفق المقاييس الأصولية، في المصلحة. هو لم يؤلف كتابًا في المصلحة يذكر فيه رأيه، ولكنه أورد رأيه في شرحه الحديث الثاني والثلاثين من الأحاديث الأربعين النووية، وهو قوله:صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضِرار) . ولم يشر علماء الأصول الذين عاصروه أو جاؤا بعده، إلى رأيه هذا، فيما أطلعت عليه من كتبهم. وقد طبع شرحه للأربعين النووية كاملًا باسم (التعيين في شرح الأربعين) في السنوات الأخيرة. وهو وإن لم يتكلم عن المصلحة في بعض كتبه كشرحه لمختصر الروضة، لكنه لم يخرج في ذلك عن رأي الجمهور فيها، مع نقده تقسيماتهم المصلحة إلى ضرورية وغير ضرورية، وعدّه ذلك تعسفًا وتكلفًا، وإنما كان رأيه الخاص والمخالف لرأي جمهور العلماء هو ما أورده في شرحه لحديث (لا ضرر ولا ضِرار) ، الذي تكلم في شرحه على المصلحة مطلقًا، لا المصلحة المرسلة. وقد عرّف المصلحة، بحسب العرف، بأنها السبب المؤدي إلى الصلاح والنفع، كالتجارة المؤدية إلى الربح، وبحسب الشرع هي السبب المؤدي إلى مقصود الشارع عبادة أو عادة (7) .
وبعد أن أقام الأدلة على حجية المصلحة من نصوص الشارع، ذكر أن رعايتها مقدمة على النصوص والإجماع، مستدلًا على ذلك بوجوه، منها:
أ - (إن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح، فهو إذًا محل وفاق، والإجماع محل خلاف، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)