ـ [أبو عبد الله التميمي] ــــــــ [10 - 12 - 10, 02:16 م] ـ
الفرق الرابع: في مفهوم الترجيح:
مفهوم الترجيح عند المتأخرين، ولاسيما أصحاب المذاهب الأربعة -وقيل الخمسة-: هو نوع من الانتصار، ومع الأسف أنه انتظم في الأكاديميات العلمية الآن: أنك إذا ذكرت أقوال المذاهب الأربعة فقلت: إن الشافعية على قول، والمالكية على قول، والأحناف والحنابلة على قول، ثم رجحت قول الشافعية مثلًا، يلزمك أن تجيب عن كل أدلة الحنابلة والحنفية والمالكية!!
ولذلك ربما عبر بعض طلبة العلم أحيانًا بقوله: والراجح كذا، وأما القول الآخر فلا دليل عليه!! إنه إذا انضبط قول من أقوال المجتهدين الأوائل، وليس هذا القول شاذًا؛ لا يمكن أن يكون ليس عليه دليل، وليس معنى هذا أن هذا القول عليه دليل وذاك القول عليه دليل والشريعة متعارضة، لكن المقصود أنه دليل يقبل الاستدلال به، أما أنه دليل يصح أو لا يصح فهذه مسألة أخرى.
إذًا: القول الذي يجوز لك أن تقول: إنه لا دليل عليه. هو ما كان بدعة، كقولك: قول المعتزلة في صاحب الكبيرة قول لا دليل عليه، ومثله إذا كان قولًا فقهيًا شاذًا فإنه يسعك أن تقول: وهذا القول الذي خالف العامة من أهل العلم: قول لا دليل عليه. أما أن تأتي بالترجيح -كما يصنع كثير من المتأخرين- فيرجح مذهبًا من المذاهب الأربعة، أو قولًا لغير المذاهب الأربعة، ثم يقول: والقول الآخر لا دليل عليه. مع أن القول الآخر ربما عليه جمهور من الأئمة المتقدمين، فهذا نوع من الحمق الفقهي! إذ لا يمكن أن يذهب الجمهور من المتقدمين إلى مذهب ثم يقال: وهذا القول ليس عليه دليل.
أما المتقدمون فإنهم يفهمون الترجيح على أنه نوع من المؤانسة أو الاستظهار في التقديم لقول على آخر؛ ولذلك لم يظهر عندهم الإنكار الشديد في جمهور ما اختلفوا فيه؛ إلا أن يكون المخالف خالف نصًا وسنةً، فهنا ينكرون عليه، كما هو معروف في شأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم؛ فقد كانوا يدركون مسألة الخلاف على هذا الوجه. إذًا: فرق ما بين المتقدمين والمتأخرين في مفهوم الترجيح: أن الترجيح عند المتأخرين نوع من العزم اللازم الذي معناه: تصحيح القول المرجَّح وإبطال أو إسقاط أو تفريغ غيره من الدليل، أما عند المتقدمين فما كان شأنهم على هذا إلا في مسائل خاصة قد ظهرت سنتها وبان دليلها بيانًا واضحًا.
ـ [أبو عبد الله التميمي] ــــــــ [10 - 12 - 10, 02:20 م] ـ
الفرق الخامس: في مفهوم الخلاف:
كلٌ من المتقدمين والمتأخرين -من حيث الجملة- يعرف الخلاف، لكن هناك فرق في وعيهم لدرجة الخلاف، فالمتقدمون يعرفون درجة الخلاف، بمعنى: إذا قال الإمام أحمد أو مالك أو الشافعي أو ابن مهدي قولًا، فإنهم يعرفون نسبة القائلين بهذا القول من الأئمة، وإذا خالفوا قولًا فإنهم يعرفون نسبة هذا القول من المخالفين. أما المتأخرون فغلب عليهم -ولنا أن نصطلح كتمييز- معرفة الخلاف أكثر من معرفتهم بدرجته، والفرق بين معرفة الخلاف ومعرفة درجة الخلاف: أن من يعرف الخلاف يعرفه معرفةً مجملة، أي: يعرف أن هذا قول وأن القول الآخر كذا وكذا، لكن .. القول الآخر من قال به؟ فإن مسألة اعتبار القائلين مسألة لابد منها .. أو القول الآخر ما مبناه؟ فإنه أحيانًا يكون القول الآخر عليه جمهور من الأئمة، ويأتي فقيه فيستدل لهذا القول الذي عليه جمهور من الأئمة بدليل ضعيف أو بدلالة ضعيفة، فيأتي المرجِّح ويبطل قول هذا الجمع من الأئمة؛ لأن فقيهًا مالكيًا أو شافعيًا أو حنبليًا متأخرًا قد نصر هذا القول بطريقة يُعلم أنها غلط. فإذًا: اعتبار الإدراك لدرجة الخلاف لابد منه.
هذه خمسة مميزات للفرق بين فقه المتقدمين وفقه المتأخرين، وهي نوع من فتح هذه المسألة للدراسة والمراجعة في تحقيق الفرق بين فقه المتقدمين والمتأخرين. وفي مسألة الترجيح لك أن تشير إلى أن المتقدمين لم يكن عندهم باب التقليد والتعصب، وإنما كان عندهم باب الاعتدال .. باب الاتباع .. باب سؤال أهل الذكر .. باب اقتداء المفضول بالفاضل ... إلى غير ذلك، أما المتأخرون فمما نقصهم من الفقه: أنه غلب عليهم التعصب والتقليد، ولا شك أن التعصب والتقليد مذموم، وهذا سيأتي في المسألة الرابعة وهي: التمذهب.
انتهى، والحمد لله رب العالمين ..
ـ [أبو عبد الله التميمي] ــــــــ [10 - 12 - 10, 02:22 م] ـ
قال الشيخ أثناء ضربه الأمثلة لبعض ما مضى: تنبيه: كل مسألة أذكرها ليس المقصود منها الانتصار أو الترجيح لمذهب على آخر، أو أن هذا غلط وهذا صواب. إنما المقصود أن نصل إلى قدرٍ كافٍ من التفقه فيما نحن بصدده.
قال الشيخ حفظه الله في موضع آخرَ: ... في منهج المتقدمين والمحققين من المتأخرين-لأنه لا ينبغي الفصل المطلق بين المتقدمين والمتأخرين، وكأن المتأخرين انقلبوا انقلابًا كليًا على المتقدمين؛ بل لقد بقي في المتأخرين محققون، ولا يعني ذلك أنهم يبلغون إلى درجة المتقدمين-
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)