فلم يقدِّر هذا الدليل حق قدره، فقال ما قال رضي الله تعالى عنه.
إذًا: مما يتعلق بمفهوم الاستدلال: أن هناك أمورًا كثيرة في الشريعة لا تكاد تجد أن صارفًا خاصًا -أي: نصيًا- قد صرفها عن الوجوب، ومع ذلك تجد العلماء قد أجمعوا على أنه ليس واجبًا، وأن هذا النهي ليس محرمًا، وإن قلت: إن الإجماع لم ينضبط. فربما صح لك هذا، لكن إذا ورد عليك السؤال: من قال من المتقدمين بالوجوب أو التحريم؟ ربما تجد أنه يعوزك التحصيل أن تجد إمامًا متقدمًا من الصحابة أو التابعين ونحو طبقتهم نطق بالوجوب أو بالتحريم.
ومما يتعلق بمفهوم الاستدلال: أنه ربما يظهر لك في مسألة ما أنها مما ليس عليه دليل، مثلًا: المرأة إذا طهرت من الحيض في وقت العصر، هل تصلي الظهر والعصر؟ نجد أن الجمهور من أهل العلم الأوائل ذهبوا إلى أن المرأة إن طهرت في وقت العصر فإنها تصلي الظهر، مع أنك إذا نظرت إلى الدليل المفصل، أو ما نسميه بالنص أو بالإسناد الخاص -كما قال الزهري - لا تجد إسنادًا خاصًا على أن المرأة يلزمها أن تصلي الظهر وقد طهرت في وقت العصر، لكن الإمام أحمد لما سئل عن هذا القول قال: عامة التابعين على هذا القول، إلا الحسن.
كما نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عروة بن مضرس الطائفي في السنن، في قصة مجيئه إلى عرفة، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا قبل حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه وقضى تفثه) ، وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الوقوف بعرفة لا يكون مجزئًا إلا من بعد زوال الشمس، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليلًا أو نهارًا) . وقال صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم) ، وهو في الحج، ففعل فعلًا فقال عامة أصحابه ومن اتبعهم من الأئمة: إن هذا فرض، وأصل في الحج. وفعل فعلًا آخر فقال جمهور أصحابه ومن بعدهم: إن هذا واجب في الحج. وفعل فعلًا آخر فقال جمهور أصحابه ومن بعدهم: إن هذا مستحب في الحج. مع أن النبي عليه الصلاة والسلام ما نطق بالتصريح على أن هذا واجب أو ركن أو مستحب، وهذا من باب -كما قلت- فقه الاستقراء، وفقه مقاصد وأبواب العبادات. لكن لما جاء ابن حزم رحمه الله -مع شرف علمه وديانته وفضله- وأخذ الأمور على ظواهرها، ووجد أن الله سبحانه وتعالى يقول في سياق آيات الحج: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة:198] ، قال: إن الله قال: فَاذْكُرُوا اللَّهَ [البقرة:198] ، فنص على ذكره عند المشعر الحرام؛ فدل ذلك على أن ذكره في هذا المقام فرض واجب؛ لأنه وقف مثل هذه الوقفة التي ربما ظن من ظن أنها نوع من الاستمساك بعروة الدليل، والحق أنها ليست استمساكًا محققًا؛ ولذلك لم ينتحل هذا الفقه في جمهور أمره عامة الصحابة أو جمهورهم رضي الله تعالى عنهم.
ـ [أبو عبد الله التميمي] ــــــــ [10 - 12 - 10, 02:11 م] ـ
الفرق الثالث: في اعتبار القرائن:
الأئمة المتقدمون لسعة علمهم يعتبرون القرائن في الحكم. فمثلًا: من فقه المتقدمين ما يتعلق باستصحاب أصل في الباب، كقولهم مثلًا: إن الأصل في العبادات التوقيف أو الحظر، وإن الأصل في المعاملات الحل. أيضًا: استصحاب ما يتعلق بقرائن تقود إلى ترجيح حكم على آخر، مثلًا: إذا وجدوا أن هذا الدليل قد ذهب إلى مدلوله أو حكمه الأكثر من الصحابة، أو أن أبا بكر و عمر كانوا يفتون به، فربما قووا حديثًا فردًا وانتصروا له، في حين أنك إذا أخذت المسألة أخذًا -إن صح التعبير- رياضيًا: تجد أن هناك حديثًا آخر هو أقوى من جهة التحصيل الرياضي أو التحصيل العلمي المجرد بمسائل الإسناد والرواية، وربما كان أصرح منه دلالة؛ ومع ذلك تجد أن المتقدمين أخذوا بما هو عند التجريد أقل دلالة. لماذا؟ لأنه وافق عمل الصحابة، والثاني خالف فتوى الصحابة.
أضرب لذلك مثلًا: مسألة الطلاق الثلاث: تجد أن الأئمة الأربعة بل والجمهور، وكما قال ابن رجب -وإن كان قد بالغ-: اعلم أنه لم يصح عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة المتبوعين أنه جعل الطلاق الثلاث واحدة. فإن شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة يقولون: إنه قول طائفة من السلف. المقصود: أنه بالقطع أن قول الجماهير من المتقدمين أن طلاق الثلاث ثلاث، مع أن مسلمًا روى عن ابن عباس من رواية طاووس: (كان طلاق الثلاث على عهد رسول الله، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس استعجلوا في أمر كان لهم فيها أناة، فلو أمضيناه عليهم) ، فهنا الجمهور لم يعملوا برواية طاووس عن ابن عباس. فهل هناك نص صريح من القرآن أو السنة أن طلاق الثلاث ثلاث؟ أو هل هناك نصح صريح على المعتاد بالتصريح عند المتأخرين؟ لا. ومع ذلك تجد أن الجماهير درجوا على هذا، ومن المتأخرين من قال: إنهم قلدوا عمر، وهذا ليس بالمحكم؛ لأن عمر لو صحت الرواية لكان فعله من باب التعزير وليس من باب الاستقرار الحكمي، ولا يمكن أن يقلدوا عمر في تعزيره ويدعوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم الماضية الصالحة لكل زمان ومكان.
في حين أن مسألةً أخرى من رواية ابن عباس، كما روى أبو داود وغيره عنه أنه قال في الحج: (من ترك نسكًا فليهرق دمًا) ، تجد أن الأئمة الأربعة والعامة من أهل العلم درجوا على أن من ترك واجبًا في الحج فعليه دم، فهل هناك نص من الكتاب والسنة أن ترك الواجب فيه دم؟ الجواب: ليس هناك نص صريح، لكنهم اعتبروا قول ابن عباس، وصار الإمام أحمد وغيره إذا سئل عن هذه المسألة أجاب بقول ابن عباس، فلماذا تواردوا على قول ابن عباس؟ لأن هدي الصحابة وقرائن الشريعة قضت به، ولذلك ذكر ابن تيمية في منهاج السنة النبوية أن قواعد الشريعة قضت بما قاله ابن عباس، قال: فإن كل واجب فعلي في الشريعة في أفعال العبادات كالصلاة ونحوها لابد فيه من جبران، فكما أن الصلاة تجبر بسجود السهو، فإن الجبران في مسائل الحج هي الدماء. هذا نوع من اعتبار ما يسمى بفقه القرائن.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)