فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 51579 من 82138

ـ [أبو عبد الله التميمي] ــــــــ [10 - 12 - 10, 02:06 م] ـ

الفرق الثاني: في مفهوم الاستدلال:

سبق أن المتقدمين قد كتبوا علمهم أو قالوا فقههم قبل أن يرسم ما يسمى بعلم أصول الفقه على رسمه المتأخر المعروف، فما يتعلق بمسألة الاستدلال تجد فيه التفصيل بما يسمى بالأحكام التكليفية أو الوضعية. فمثلًا: قاعدة: الأمر يدل على الوجوب إلا إذا صرفه صارف. هذه القاعدة بوجهها العام لا إشكال فيها، بل إن الشافعي رحمه الله قد نص على هذه القاعدة، وقد قال ما يقارب هذا المعنى: أن الأصل في أمر الله ورسوله هو العزم واللزوم. ولكن تجد أن الإشكال في مذهب الاستدلال بهذه القاعدة، بمعنى: أنه قد يقع عند كثير من المتأخرين -ولاسيما من يميل إلى تعظيم الدليل، والأخذ بصريح السنن، والانضباط على القواعد- بغَضِّ فقه الاستقراء -وأنا أؤكد كثيرًا على مسألة فقه الاستقراء وفقه السياقات وما إلى ذلك؛ لأن هذا هو مبلغ السلف في أصول الدين وفروعه. والمقصود بالاستقراء إما للشريعة بعامة أو لباب خاص منها، وفقه السياق هو ما يتعلق بسياق النص-

ما يتعلق بسياق النص: تجد أن بعض الكلمات ربما صارت عزمًا.

مثلًا: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد رضي الله عنه: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) ، وفي كلام الأصوليين أن من أدوات الوجوب (على) ، وأن (على) تدل على الوجوب لمثل قول الله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران:97] ، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (غسل الجمعة واجب) ، فكلمة (واجب) من اللزوم، وقوله: (على) أيضًا من اللزوم. ولذلك قالوا: ظاهر السنة أن غسل الجمعة يكون فرضًا على المكلفين، أو ربما قال من قال: لابد من صارف يصرف هذا الحكم عن الوجوب إلى الاستحباب. والحقيقة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا تكلم بالكلمة هي في أصلها لم تدل على الوجوب، أما أن نقول: إنها دلت على الوجوب أثناء كلامه، أو قصد بها الوجوب ثم صُرفت صرفًا آخر، فإذا وصل الأمر إلى هذا الإدراك فهذا هو النسخ، بمعنى: أنك إذا قلت: إن الأمر مصروف عن الوجوب إلى الاستحباب، فمعنى هذا -كمقدمات أولى في العقل والفقه-: أن الأمر لم يتكلم به الشارع على سبيل الوجوب، ولكن الفاقهين لهذا النص أدركوا أن نبيهم لم يقصد الوجوب بهذا الدليل من تشبيه متقدم من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، أو تشبيه مقارب لهذا النص. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه) ؛ عُلم أنه صلى الله عليه وسلم لم يقصد أن الغسل واجب بمعنى أنه فرض حتمًا؛ لأنه ذكر السواك والطيب؛ مع أن السواك والطيب ليس واجبًا، وليس هذا من باب دلالة القرائن الضعيفة، بل هو من باب الاطراد في الحكم، بمعنى: أن الغسل والسواك واجب على كل محتلم، ويمس من الطيب ما قدر عليه، فهذا لم يذهب إليه

أحد إلا من شذ في إيجاب السواك. إذًا: النص إذا استقرئ دل على أنه لم يقصد به الوجوب.

كثير من المتأخرين في هذا النوع من القواعد، مثل قاعدة: الأمر يدل على الوجوب، قالوا: لابد من صارف خاص؛ ولذلك ربما قالوا في أمر كثير: إنه واجب. وفي نهي كثير: إنه محرم. مع أنك تجد أن جماهير المتقدمين بل وعامة الصحابة لم ينقل عن أحد منهم أنه قال: إن هذا الحكم واجب. وربما ستر البعض عدم فقهه وعدم استقرائه فقال: نحن متعبدون بالنص، ولسنا متعبدين بأقوال الرجال. والحقيقة أن البحث لم يصل إلى هذا السؤال: هل نحن متعبدون بالحق أو متعبدون بأقوال الرجال؟ لأن هذه مسألة متفق عليها، وإذا كنت تقول: إننا متعبدون بالحق، فالمتقدمون أولى هنا بهذه المقولة، وهم أولى منا فقهًا وإدراكًا وتحقيقًا في اتباع الكتاب والسنة، وعدم اتباع أقوال الرجال. هذه القاعدة الإيمانية لا يمكن أن تفهم بهذا الأسلوب إلا إذا ناسب لها المقام، فمثلًا: إذا ظهر شخص متعصب، أو مقلد تقليدًا أعمى استعملت معه هذه القاعدة، كما قال ابن عباس: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء) ، وقد قال هذه الكلمة في صورة خاصة، ولم يكن ابن عباس في كل خفض ورفع، أو في كل فتوى يقدم بين يدي فتواه أن يقول: (توشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء) ، إنما قالها في مسألة قد أظهر ابن عباس للسائل فيها الدليل الصريح،

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت