فهرس الكتاب

الصفحة 4631 من 5688

إِلَى مِصْرَ، وَقَالَ لَهُ أَنَا أُكَاتِبُ السُّلْطَانَ في ذلك وأصلح القضايا، فامتنع الشيخ مِنْ ذَلِكَ، وَذَكَرَ لَهُ أَنَّ فِي تَوَجُّهِهِ لِمِصْرَ مَصْلَحَةً كَبِيرَةً، وَمَصَالِحَ كَثِيرَةً، فَلَمَّا تَوَجَّهَ لمصر ازْدَحَمَ النَّاسُ لِوَدَاعِهِ وَرُؤْيَتِهِ حَتَّى انْتَشَرُوا مِنْ بَابِ دَارِهِ إِلَى قُرْبِ الْجُسُورَةِ، فِيمَا بَيْنَ دمشق والكسوة، وهم فيما بَيْنَ بَاكٍ وَحَزِينٍ وَمُتَفَرِّجٍ وَمُتَنَزِّهٍ وَمُزَاحِمٍ مُتَغَالٍ فِيهِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ دَخَلَ الشَّيْخُ تقى الدين غزة فعمل في جامعها مجلسا عظيما، ثم دخلا مَعًا إِلَى الْقَاهِرَةِ وَالْقُلُوبُ مَعَهُ وَبِهِ مُتَعَلِّقَةٌ، فَدَخَلَا مِصْرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيلَ إِنَّهُمَا دَخَلَاهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ عُقِدَ لِلشَّيْخِ مَجْلِسٌ بِالْقَلْعَةِ اجْتَمَعَ فِيهِ الْقُضَاةُ وَأَكَابِرُ الدَّوْلَةِ وأراد أن يتكلم على عادته فلم يتمكن من البحث والكلام، وانتدب له الشمس ابن عدنان خَصْمًا احْتِسَابًا، وَادَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ مَخْلُوفٍ الْمَالِكِيِّ أَنَّهُ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ حَقِيقَةً، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ، فَسَأَلَهُ الْقَاضِي جَوَابَهُ فَأَخَذَ الشَّيْخُ فِي حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ أَجِبْ مَا جِئْنَا بِكَ لِتَخْطُبَ، فَقَالَ: وَمَنِ الْحَاكِمُ فِيَّ؟ فَقِيلَ لَهُ الْقَاضِي الْمَالِكِيُّ. فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ كَيْفَ تَحْكُمُ فِيَّ وَأَنْتَ خَصْمِي، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَانْزَعَجَ وَأُقِيمَ مُرَسَّمًا عَلَيْهِ وَحُبِسَ فِي بُرْجٍ أَيَّامًا ثُمَّ نُقِلَ مِنْهُ لَيْلَةَ الْعِيدِ إِلَى الحبس المعروف بالجب، هو وأخوه شَرَفُ الدِّينِ عَبْدُ اللَّهِ وَزَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.

وَأَمَّا ابْنُ صَصْرَى فَإِنَّهُ جُدِّدَ لَهُ تَوْقِيعٌ بِالْقَضَاءِ بِإِشَارَةِ الْمَنْبِجِيِّ شَيْخِ الْجَاشْنَكِيرِ حَاكِمِ مِصْرَ، وَعَادَ إِلَى دِمَشْقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَادِسِ ذِي الْقَعْدَةِ وَالْقُلُوبُ لَهُ مَاقِتَةٌ، وَالنُّفُوسُ مِنْهُ نَافِرَةٌ، وَقُرِئَ تَقْلِيدُهُ بِالْجَامِعِ وَبَعْدَهُ قُرِئَ كِتَابٌ فِيهِ الْحَطُّ عَلَى الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَمُخَالَفَتُهُ فِي الْعَقِيدَةِ، وَأَنْ يُنَادَى بِذَلِكَ فِي الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ، وَأُلْزِمَ أَهْلُ مَذْهَبِهِ بِمُخَالَفَتِهِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ بِمِصْرَ، قَامَ عَلَيْهِ جَاشْنَكِيرُ وَشَيْخُهُ نَصْرٌ الْمَنْبِجِيُّ، وَسَاعَدَهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، وَجَرَتْ فِتَنٌ كَثِيرَةٌ مُنْتَشِرَةٌ، نَعُوذُ باللَّه مِنَ الْفِتَنِ، وَحَصَلَ لِلْحَنَابِلَةِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ إِهَانَةٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ قَاضِيَهُمْ كَانَ قَلِيلَ الْعِلْمِ مُزْجَى الْبِضَاعَةِ، وَهُوَ شَرَفُ الدِّينِ الْحَرَّانِيُّ، فَلِذَلِكَ نَالَ أَصْحَابَهُمْ مَا نَالَهُمْ، وَصَارَتْ حَالُهُمْ حَالَهُمْ، وَفِي شَهْرِ رَمَضَانَ جَاءَ كِتَابٌ مِنْ مُقَدَّمِ الْخُدَّامِ بِالْحَرَمِ النَّبَوِيِّ يَسْتَأْذِنُ السُّلْطَانَ فِي بَيْعِ طَائِفَةٍ من قناديل الحرم النبوي لينفق ذلك ببناء مِئْذَنَةٍ عِنْدَ بَابِ السَّلَامِ الَّذِي عِنْدَ الْمِطْهَرَةِ، فَرَسَمَ لَهُ بِذَلِكَ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ الْقَنَادِيلِ قِنْدِيلَانِ مِنْ ذَهَبٍ زِنَتُهُمَا أَلْفُ دِينَارٍ، فَبَاعَ ذَلِكَ وَشَرَعَ فِي بِنَائِهَا وَوَلِيَ سِرَاجُ الدِّينِ عُمَرُ قَضَاءَهَا مَعَ الْخَطَابَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الرَّوَافِضِ.

وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ ثَانِي عَشَرَ ذِي القعدة وصل البريد من مصر بتولية القضاء لشمس الدين محمد بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دَاوُدَ الْأَذْرَعِيِّ الْحَنَفِيِّ قَضَاءَ الحنفية عوضا [عن شمس الدين ابن الحسيني معزولا وبتولية الشَّيْخِ بُرْهَانِ الدِّينِ ابْنِ الشَّيْخِ تَاجِ الدِّينِ الفزاري خطابة دمشق عوضا] [1] عن عمه

[1] سقط من المصرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت