فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 167

المجتمع والعالمية والدولة

د. أكرم حجازي

لا شك أن ليلة السابع عشر من الشهر الجاري كانت غير عادية في حياة شبكات الإعلام الجهادية وأنصار الجهاد والمجاهدين في العراق وخارجه، فقد مرت ساعات طويلة ورواد المنتديات الجهادية في شتى أنحاء العالم متسمرين أمام شاشات الكومبيوتر ينتظرون بلهفة عز نظيرها صدور الخطاب المنتظر لأميرهم أبي عمر البغدادي، وما أن صدر بحدود العاشرة والنصف حتى بدت المنتديات مشلولة إلا من تنزيل نص الخطاب الصوتي، ومع تباشير الصباح الأولى بدأت ردود الفعل مستبشرة بزوال ما اعتبرته الأوساط الجهادية والإعلامية فتنة كبرى أعقبت صدور بيان الجيش الإسلامي الذي تضمن اتهامات قاسية للبغدادي ولدولة العراق الإسلامية بالقتل والتكفير والاعتداء على ممتلكات العامة وغيرها.

غير أن الفرحة جُرحت بعد تصريحات لقناة الجزيرة أدلى بها المتحدث الرسمي باسم الجيش د. إبراهيم الشمري واعتبرت استئنافا لإذكاء الفتنة من جديد. وكان الشمري قد خيب ظن الكثيرين في مقابلة سابقة أجراها معه مراسل الجزيرة أحمد منصور في إطار برنامجه الشهير"بلا حدود".

ومع أن دولة العراق الإسلامية أصدرت خطابا لقاضيها بعنوان"لماذا نجاهد"، تبعه بيان مفصل عن الوضع في العراق يتحدث عن حصاد أربع سنين من الجهاد ويضع الكثير من النقاط على الحروف إلا أن الأنصار ظلوا بانتظار بيان رسمي يتحدث بصريح القول عن الخلافات مع الجماعات الجهادية في العراق خاصة ما يتعلق بالجيش الإسلامي وضرورة الرد على الاتهامات الواردة فيه. وفي السياق ذاته صدرت بيانات من جماعات أخرى تحذر من تصاعد الفتنة بين الجماعات الجهادية كان أبرزها بيان قيادة أنصار السنة، كما تدخلت عديد الشخصيات الجهادية على خط الخلاف في محاولة لمحاصرة الفتنة عبر مداخلات للشيخ عطية الله الليبي والشيخ عطا نجد الراوي والشيخ حامد العلي والنداء العاجل الذي وجهه نخبة من العلماء إلى المجاهدين في العراق بالإضافة إلى الجبهة الإعلامية العالمية ومؤسسة الفرقان وغيرهم.

إذن كان من الضرورة بمكان أن يأتي الرد من شخصية قوية في الدولة، وكان من الطبيعي أن يكون بلسان البغدادي أو المتحدث الرسمي باسم الدولة. وهكذا صدر الخطاب على متن 37 دقيقة من أصل 41.43 دقيقة، مذكرا بـ"حصاد السنين بدولة الموحدين"على امتداد السنوات الأربع من غزو العراق واحتلاله، ولكنه، بحق، كان حصادا إخباريا وتطمينيا مثلما بدا خطاب قوة لدرجة أنه ابتدأ بتكبيرات الفتح مبشرا بمكاسب للأمة وخسائر للأعداء. فأية مكاسب يتحدث عنها البغدادي والمشروع الجهادي بات على المحك؟ وأية مكاسب تنتظرها أمة تعودت على القهر وتجرع الهزائم الواحدة تلو الأخرى؟ وهل فك الخطاب البغدادي طلاسم خطابه السابق؟ ولماذا يصر البعض على وصف الشمري بداعية فتنة حتى بعد صدور الخطاب؟

لقد تحدث الخطاب عن الكثير من المكاسب لأهل السنة ولأهل الجهاد في العراق وللعالم الإسلامي وللدولة بفعل الجهاد كأحد أسس إقامة الدين والتحرر من الاستعباد والظلم، وسنترك تفاصيل المكاسب لمحاولات بحثية قادمة حول مسائل الجهاد العالمي، أما الآن فسنركز على مسائل حيوية جدا أحسب أن أحدا لم يتحدث بها قبل الآن زيادة على أنها المرة الأولى التي نسمع بها. فلماذا يركز البغدادي على مسائل الجهاد والجماعة هذه المرة بطريقة مختلفة وغير مسبوقة في بضعة خطاباته السابقة؟

سنتناول في القسم الأول من المقالة ثلاثة مسائل مركزية هي المجتمع الجهادي ودولة العراق الإسلامية ومصطلح العالمية الذي فاجأنا به الخطاب، أما في القسم الثاني فسنخصصه للتوقف عند مسائل الخلاف مع الجماعات الجهادية خاصة مع كتائب ثورة العشرين والجيش الإسلامي.

أولا: المجتمع الجهادي

تكشف السنوات الأربع، بحسب الخطاب، عن تحول جذري في نمط الحياة الاجتماعية للعراقيين بفعل الجهاد، فالبغدادي يقدم وصفا للمجتمع العراقي الذي بدأت ثقافة الجهاد تغزوه وتتوطن في مختلف نواحي الحياة وعلى مستوى التشكيلات الاجتماعية كافة، ومثل هذه الثقافة لا يمكن أن تجد طريقها إلى الانتشار والتغلغل إلا عبر جانبين أساسين هما:

التوحيد والعبادات من جهة وإحياء عقيدة الولاء والبراء من جهة ثانية. فالتوحيد يعني استبعاد الشرك ومظاهره من الحياة الاجتماعية وحلول العبادات محله، وهذه مسألة جوهرية تحيل إلى العقلانية الإسلامية بأقوى صورها كونها ستنتهي إلى رفض التعامل مع كل البدعيات ومظاهر الشرك وستحول دون التحريف والتبديل في الدين وبالتالي إقامة الدين، هذه النتيجة تؤشر بداية على أن الدين لم يعد من اختصاص كبار السن ولا العلماء والفقهاء ولا المتدينين ولا منتسبي الحركات الإسلامية بل من سمات الحياة الاجتماعية ومن واجبات الفرد ذكرا أو أنثى وصغيرا أو كبيرا.

وبطبيعة الحال سينعكس التوحيد على الناس فيما يتعلق باستجابتهم لشروطه في العبادات والمعاملات كالزكاة والصوم والصلاة والحج والصدق والكفالات والرعاية والأخلاق والآداب العامة .... إلخ ولن نجد حينها مشكلة بفقر المساجد ولا بكنز الأموال بالمليارات دون جدوى تذكر ولا بدور الرذيلة ومسالك الفجور والفسق والعصيان والكذب والنصب والاحتيال، وسيكون من السهل أن نرى"الراعي في قلب الصحراء يفصل من غنيماته زكاة ماله ويعطيها للمجاهدين ليوزعوها في محلها الشرعي ... تدينا منه ومحبة تماما كما يفعل أهل التجارة والزراعة"وليس اعتداء على ممتلكاته أو إكراها له.

أما الأمر الأشد سوء ونذيرا على القوى المعادية فكائن في قضية الولاء والبراء حصرا وتحديدا. فالغالبية الساحقة من الحركات الإسلامية وليس فقط على مستوى الأفراد تقف على أرضية دينية وتباهي بأنها تعمل على إقامة حكم الله في الأرض واستعادة الخلافة ونصرة الدين وخذ من هذه الشعارات ما تشاء وعلى امتداد عقود من الزمن، ولكن أين هي من البراء من الشرك؟ وأين هي من التبعية؟ وأين هي من موالاة الغرب؟ وأين هي من لحظة حق؟ وأين هي من العصبية؟ وأين هي من الكِبر؟ وأين هي من التضليل؟ بل أين هي من الكذب والتحالف مع القوى المعادية للأمة؟ هذه العقيدة هي فعلا منسية بل ومغيبة عن الأمة وعن كل مؤسساتها وأجيالها منذ زمن بعيد جدا، ولما تشيع بين المجاهدين خاصة فمن المؤكد أنها ستقلل من التردد والتراجع والتخاذل والاختراقات والمساومات إن لم تقض عليها كلما تجذرت.

لا شك أن"تدريب جيل كبير من الشباب على عقيدة الولاء والبراء المنسية"، كما يقول الخطاب، وشيوع هذه العقيدة في نفسية الناس بحيث"صرنا اليوم نشهد بأعيننا ونسمع بأذننا عجبا عجاب من أبناء الرافدين رغم الشبهات والشهوات - فهذا أب يقتل ابنه الجاسوس بيده - وهذه عشيرة تتبرأ من ابنها شرطي المالكي. والعجيب الغريب أن امرأة تترك زوجها وتوليه الدبر لأنه ارتد مناصر الدولة المالكي وحزبه"لهو وضع مخيف حقا بالنسبة للقوى الغربية والنظم العلمانية. فانقلاب نمط الحياة الاجتماعية من مجتمع استهلاكي مادي يداخله الشرك من كل ناحية إلى نمط اجتماعي قائم على التوحيد ومحصن قولا وعملا بعقيدة الولاء والبراء سيعني مشكلة بأتم معنى الكلمة، وإذا كانت المشكلة تقع في نطاق الجماعات الجهادية فهي الآن قاب قوسين أو أدنى من وقوعها في صلب المجتمع، وهذه هي الطامة الكبرى للقوى المعادية، ولعل هذه الحقيقة تفسر إلى حد كبير ليس الفتنة ولا حجمها فقط، بل السرعة التي تجري بها وقائع الفتنة، فالقوم يبدو أنهم على عجلة من أمرهم، وتكشف بنفس الوقت أن خيوط الفتنة تستهدف ما هو أبعد من الجماعات الجهادية لتصل إلى إجمالي المجتمع ومعتقداته، وهذا مؤشر حاسم على أن فرضية التفاهم مع الأمريكيين مجرد هراء.

ثانيا: درجة العالمية العليا

أورد الخطاب للمرة الأولى مصطلحا عسكريا غريبا وغير مألوف في الحياة العسكرية العربية على الإطلاق، وأحسب أن صعوبة فائقة ستعترض من يحاول تفسيره أو الإحاطة به خاصة وأن المسائل العسكرية تبقى سرية وهو ما التزم به البغدادي مكتفيا بملامح بخيلة عنه. فما الذي يمكن فهمه من هذا المصطلح؟

يأتي الحديث عن المصطلح في سياق خبري يعلن فيه"عن تخريج أكبر دفعة في تاريخ العراق لضباط الجهاد في سبيل الله وبدرجة العالمية العليا". وبطبيعة الحال لم يكشف عن العدد، ولكن ما يبعث على التأمل أن الدفعة المعنية بالقول فاقت في عددها ما حققه أي نظام حكم في العراق سابقا، ولما تكون بدرجة رفيعة فالمسألة تستحق النظر بجدية. فهو يريد أن يثبت أولا أن أفغانستان التي مثلت في مرحلة ما مدرسة في الجهاد لا تساوي شيء بالمقارنة مع ما يمكن اعتباره جامعة جهاد في العراق، وهذا التوصيف يعجب البغدادي لسبب بسيط وهو أن حجم المعلومات والمعارف والعلوم العسكرية والتقنية في مختلف فروعها واختصاصاتها واكتساب المهارات والخبرات وفنون القتال المتوفرة للتدريب في زمن الانترنت يوازي ما تتسع له جامعة. بل أنه قادر، إذا ما استغل وأُحسن استخدامه، على تخريج ضباط ومقاتلين بدرجة عالمية عليا.

ولأنه من غير المستبعد أبدا ألا يستغلها المجاهدون أفضل استغلال خاصة وأنهم من جمعها ونسقها وأعدها للاستعمال وطرحتها الشبكات الإلكترونية للتداول العام فالسؤال هو: لماذا يجهد رواد الجهاد العالمي في العناية بالعلوم العسكرية على اختلاف أنواعها؟

تعتقد السلفية الجهادية عموما أن المقاتل العالمي الذي يصول ويجول في أنحاء العالم الإسلامي وشتى أصقاع الكرة الأرضية يحتاج لمواجهته مقاتلا إسلاميا عالميا يتمتع بذات الصفات إن لم يكن أكثر تفوقا، كما أن متطلبات الجهاد العالمي تستدعي مقاتلا من نوع رفيع، ومن ناحية ثانية يتعلق الأمر بأهداف الجماعة، فمن يزعم أنه يقاتل وعينه على القدس سيكون ملزما في التفتيش عن وسائل توصله إلى هدفه، وفي هذا السياق، على ما يبدو، يمكن فهم درجة العالمية العليا حيث"الدراسة متواصلة بلا انقطاع صيفا وشتاء، ليلا ونهارا"، وهو ما يعني:

• تخريج مقاتل يستجيب لكل الظروف الجوية والتضاريس الطبيعية وفي مختلف الأوقات.

• تخريج مقاتل وليد ساحة قتال، متمرس في ميدان يضم أعتى القوى العالمية وأكثرها تطورا تكنولوجيا وليس عبر الكليات والمدارس العسكرية والمعسكرات.

• تخريج مقاتل مميز يتمتع بخبرات ومهارات وتخصصات متعددة وليس اختصاص واحد كما هو مألوف علميا. فالخطاب يتحدث عن تطور في مجال الإلكترونيات والمفرقعات والعبوات الناسفة وصناعة الأسلحة والمعدات والتجهيز.

أما على مستوى الصناعات العسكرية فلعل البعض منا يذكر الشريط المرئي لأبي مصعب الزرقاوي حين أعلن عن أولى التجارب الناجحة على صاروخ"قدس 1"، وها هو البغدادي يعلن عن دخوله"حيز التصنيع والإنتاج العسكري وهو بمواصفاته العالية من حيث الطول والوزن ودقة الإصابة لينافس ما حققته دول العالم لنفس الأهداف العسكرية"مما يعني أنه خضع لاختبارات وتجارب على امتداد ما يقارب العام. ومع ذلك فقد أخفى الخطاب بشائر على ما يبدو أنها ذات طابع عسكري وهو يقول:"نبشر الأمة بخير يثلج الصدور ويغيظ العِدا".

ولكن الطريف في المسألة هو ملاحظة ما يمكن تسميته بفقه الإعداد إن صحت التسمية، فالمألوف أن الإعداد يسبق ملاقاة العدو في حين نجده في الخطاب يتحدث عن إعداد في قلب المعركة وفي قلب ساحات المواجهة مما يؤشر على فقه جديد قد يقلب الكثير من المسلمات التي توجه عمل البعض من الجماعات الإسلامية.

ثالثا: بقاء الدولة

أثار إعلان الدولة وما يزال ردود فعل قوية بين مؤيد ومعارض لهذا السبب أو ذاك. ولا شك أن في الفقه السياسي والشرعي للإعلان ما يبرر لكل طرف دعواه. فكيف يمكن قراءة الإعلان من رحم المؤيدين للأطروحة؟ وكيف يمكن قراءة الأطروحة موضوعيا لاسيما وأن الكثير من القوى تمتنع عن الاعتراف بها أو مجرد ذكرها مستعيضة عنها بتنظيم القاعدة حتى على المستوى الإعلامي؟

الثابت في العمل السياسي أن الانتقال من مرحلة إلى مرحلة تفرضه ظروف ومعطيات تبرر عملية الانتقال، وفي إطار الخطاب الذي قدمه البغدادي فقد لوحظ أنه ابتعد كلية عن الحديث عن البيعة أو الانضمام تحت راية الدولة مكتفيا بالحديث طويلا عن فضائل الاجتماع تحت سقف الجماعة، وبهذه الطريقة قدم البغدادي الدولة بوصفها جماعة وراية ليقطع الطريق على ما يمكن أن تثيره التسمية من حساسية لدى البعض أو مخاوف سياسية لدى البعض الآخر. وبالتالي تغدو الدولة بمثابة كيان معنوي أو مادي هدفه حماية المشروع الجهادي وتوحيد فعالياته والحسم بمسألة وضوح الراية. وبهذا المعنى أيضا فالدولة لا يهمها كثيرا الحديث عن تقسيم العراق أو توحيده تحت الاحتلال بقدر ما يهمها بالدرجة الأساس استمرارية المشروع الجهادي وحمايته من أي عبث سياسي يتخذ شكل الحلول السلمية، بحسب مصطلحات الخطاب، خاصة وأن العراق واقع فعليا تحت التقسيم قبل الاحتلال وخلال الاحتلال فضلا عن الدعوات المنادية بالكونفيدرالية أو الفيدرالية أو الكيانات والكانتونات المستقلة وأشباهها.

من جهة أخرى فإن حالة التآمر على العراق أو المشروع الجهادي قائمة وجارية على قدم وساق، وإعلان الدولة يأتي في سياق متطلبات الجهاد بحيث إذا ما وقعت أية اختراقات سياسية تكون الدولة بمثابة الضامن والملجأ لأية جماعة أو فرد أو عشيرة تشعر أن حقوقها انتقصت أو أنها مهددة بالضياع والعدوان عليها، وبوصفها تعبير عن"وحدة المجاهدين ومأوى المستضعفين"، ومن هذا الباب، فضلا عن اجتماع الراية، كان الإصرار الدائم والإلحاح على ضرورة المبايعة كحصن للجميع بقطع النظر عمن يكون أمير الدولة. والحقيقة فإن الإشكال التاريخي يكمن أساسا في مشروعية تعدد الجماعات الجهادية تحت راية واحدة، فثمة من يقول أن التعدد محمود من ناحية أمنية، ولكن هناك من ينبذ هذا التعدد تأسيسا على ما يراه إما عدم وضوح في الراية فيما بين الجماعات الجهادية مما يسبب شقاقات وربما صدامات بينية، وإما بسبب قصور في الرؤية أعاقت وحدة المشروع الجهادي، وبالتالي فالإشكال ليس في إعلان الدولة أو العمل الجماعي بحد ذاته بقدر ما هو إشكال واقع في نوايا وتوجهات مختلف التشكيلات الجهادية، ولا شك أن لكل إشكال سياقاته وأسبابه.

بقيت مسألة على درجة عالية من الأهمية وهي أن الانتقال من مرحلة التنظيم إلى مرحلة الدولة تستدعي التوقف التام عن أي حديث عن التنظيم الذي من المفترض أن الدولة استغرقته بكل مكوناته وهو ما حصل إلى حد كبير. فمنذ الإعلان عن الدولة توقفت مؤسسات التنظيم عن كونها تابعة له وتوقف الإعلام التنظيمي وتوقف الحديث عن أي ذكر لتنظيم القاعدة، ولولا أن الإعلام وبعض القوى السياسية والجماعات الجهادية تصر على حشر الدولة في إطار تنظيم القاعدة لما سمع أحد بأن التنظيم ما زال قائما. فالتنظيم، بهذا المعنى، مرحلة تم اجتيازها بالكامل هو وكل مؤسساته لصالح إطار أوسع وأشمل لا ينفع معه التمسك بالصيغ التنظيمية، لهذا يتحدث الخطاب عن مكاسب تنظيمية على ما يبدو كانت سببا في الإعلان عن الدولة:"فقد تطورت تطورا كبيرا نوعا وكما وكيفا - واتسعت رقعة الأرض التي يمد المجاهدون عليها بساط التحكيم بشرع الله وزاد التلاحم بين المجاهدين و الأمة التي بدأت تعود إلي حالتها الطبيعية كأمة جهاد ودونكم الأعظمية وحيفا والمقدادية والموصل وتل عفر - وغيرهم كثير"، كما أن الدولة ليست مكونة من جماعة واحدة وإلا ما كان الإعلان عنها مبررا أصلا، وليس معقولا أن تنادي الدولة ببيعة ويأتيها العديد من الجماعات والكتائب والأفراد والعشائر والعلماء والفقهاء والمتخصصين والخبراء معلنين الانضواء تحت رايتها وتكون مجرد تعبير عن تنظيم، وكيف يمكن لتنظيم أن يضطلع بأعباء هذا التطور؟

إذن فالدولة، بحسب خطاب البغدادي،"باقية"لأنها"بنيت من أشلاء الشهداء ورويت بدمائهم وبها انعقد سوق الجنة، ولأن ... الجهاد أظهر من الشمس في كبد السماء، ولأنها لم تتلوث بكسب حرام أو منهج مشوه، ولأنها بصدق القادة الذين ضحوا بدمائهم - وصدق الجنود الذين أقاموها بسواعدهم نحسبهم والله حسيبهم، ولأنها وحدة المجاهدين ومأوي المستضعفين، ولأن الإسلام بدأ يعلو ويرتفع وبدأت السحابة تنقشع وبدأ الكفر يندحر وينفضح، ولأنها دعوة المظلوم ودمعة الثكالي وصرخة الأساري وأمل اليتامى، ولأن الكفر بكل ملله ونحله اجتمع علينا وكل صاحب هوي وبدعة خوان جبان بدأ يلمز ويطعن فيها فتيقنا بصدق الهدف وصحة الطريق، ولأنا علي يقين أن الله لن يكسر قلوب الموحدين المستضعفين ولن يشمت فينا القوم الظالمين ولأنها (وعد الله) في محكم تنزيله".

هكذا يقدم البغدادي مبررات ليس إقامة الدولة فحسب وإنما موجبات بقائها، ويخاطب أبناء الدولة قائلا:"أيها المجاهدون إياكم أن توقفوا نهرا أجريتموه بدمائكم، أو تهدموا صرحا رفعتموه بشهاداتكم"، والطريف أن القاعدة التي باشرت الجهاد في العراق وتحملت عبء انطلاقته لم تكن السبب الوحيد في إعلان دولة العراق الإسلامية، والأطرف أنها، بحسب الخطاب، لم تكن سببا في بقائها. ولما يكون من موجبات القول تسمية الأشياء بمسمياتها، فلا أدري كيف يحول الموقف السياسي أو الأيديولجي أو الإعلامي دون هذا الأمر، فلا الواقع يقول أن الدولة هي القاعدة ولا القاعدة تقول أنها الدولة، ومع ذلك قلّ من يردد اسمها بدولة العراق الإسلامية وكأن على رأسه الطير.

نشرت بتاريخ 28 - 02 - 2009

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت