د. أكرم حجازي
لا شك أن المتابع لوسائل الإعلام على اختلافها وتنوعها وانتماءاتها وتوجهاتها سيدرك على الفور أن دولة العراق الإسلامية شارفت على التبخر من ساحة الحدث العراقي، فمنذ فترة لا نكاد نسمع إلا عن بطولات مجالس الصحوة والحزب الإسلامي وحماس العراق وهي تخوض حروبها الضارية بهدف طرد ما تسميه القاعدة من مناطقها، وكأن الساحة خلت من قوى الاحتلال وقتلة بلاك ووتر وحكومة المالكي وجيش المهدي وقوات بدر وباقي القتلة والمرتزقة والمجرمين ولم يتبق إلا دولة العراق وأبو عمر البغدادي ليعود العراق آمنا مطمئنا!
منذ شهرين على الأقل رفع الكثير من كبار الكتاب والصحفيين عقيرتهم بالصياح عن هذا الإعلام المحسوب على الأمة باعتباره إعلاما عربيا وهم يستهجنون من أدائه بعد أن أسفر عن وجهه بوضوح معبرا:
1)إما عن انحياز كامل لأجندة الأعداء التقليديين للأمة وقضاياها دون أن يرتد له طرف من عيب أو خجل أو حتى فضائح في تناوله الإعلامي لقضايا كبرى بعضها يتعلق بمصير أمة ناهيك عن تدميره للوعي والضرر الذي يلحقه بالأمة ومصالحها وأجيالها القادمة؛
2)وإما عن تجاهل متعمد وكذب بغيض وتزوير لوقائع هي ألمع من الشمس في صيف حارق!
يمكن أن نفهم الضغوط أو التهديدات التي تتلقاها وسائل الإعلام والصحفيين فيما يتعلق بتغطية أحداث معينة، ولكن كيف يمكن لنا أن نفهم أو نبرر تجاهل أحداث قوية جدا إلا من وجود أجندة منحازة بشكل فاضح أو سياسة هادفة إلى التعمية بلا مواربة؟ فهل يمكن لإعلام من هذا النوع أن يعبر عن مصالح أمة؟ أو أن يكون أمينا عليها؟
هذا ما يحدث بخصوص الوضع في العراق. ففي بداية العام الجاري شاركت العديد من الفضائيات والصحف والمواقع الإلكترونية والقوى الأجنبية المعادية للأمة بتدشين حملة إعلامية ضارية على المجاهدين عامة وعلى دولة العراق الإسلامية خاصة في محاولة لتشويهها وضرب حواضنها الاجتماعية. وعرف القاصي والداني في الحملة وتجندت لها أقلام من هنا وهناك لرصد الحدث إما إيجابا وإما سلبا.
ولكن بعد أن فشلت الحملة بسبب سوء إدارتها وحجم الأكاذيب التي رافقتها كان لا بد من البحث عن وسائل جديدة لمحاربة مجاميع السلفية الجهادية في العراق خاصة والمجاهدين عامة.
في المرحلة الثانية من حرب الفتن والتعمية تكفل أبو ريشة وصحبه في المهمة الجديدة عبر ما أسمي بمجالس الصحوة العشائرية، فتأسس ما عرف بمجلس صحوة الأنبار وجرت محاولات لتعميم التجربة في مناطق أخرى كديالى وصلاح الدين ونينوى وتكريت وبعقوبة وغيرها، وفعلا نجحت مثل هذه المجالس فيما عجزت عنه كافة القوى وتسببت في خسارة مناطق عديدة كانت تسيطر عليها دولة العراق، بل أنها نجحت في خفض وتيرة العمليات العسكرية كما ونوعا ضد القوات الأمريكية.
وفي سياق مستمر منذ بداية الاحتلال تكفل الحزب الإسلامي بمهمة محاربة السلفية الجهادية في العراق، فلعب دور العراب لكافة محاولات القضاء عليها إما عبر إنشاء الكتائب المسلحة له والتي لم تكن لها من مهمة إلا ضرب المجاهدين في أنحاء مختلفة من العراق وتقديم خدمات للأمريكيين هم في أمس الحاجة إليها، وإما عبر الترويج لسياساته وتوجهاته المرفوضة من عموم أهل السنة في العراق أو عبر الأكاذيب والأضاليل والاتهامات لإيقاع الفتن والدسائس بين الناس والمجاهدين، أو عبر شق بعض الجماعات الجهادية وبالتالي إضعافها، أو عبر المشاركة المباشرة مع قوى الاحتلال في الهجوم على المدن العراقية وانتحال أسماء جماعات جهادية أخرى ليبقى الحزب وأدواته المشبوهة نظيفا من عملياته القذرة التي يقوم بها نيابة عن الاحتلال والعملاء. أما الدور الأبرز له فهو التنسيق مع القوى المعادية وإنشاء مجالس الصحوة والإسناد ودعمها وتشجيعها على المضي قدما في جرائمها دون أن تكون له أية مصلحة إلا من الولوغ في التفتيت وإلحاق الأذى بالآخرين.
الطريف جدا فيما يجري هو تركيز الإعلام على نشاطات القوى المعادية هذه لأية نهضة لهذه الأمة وتقديمها بصورة المنقذ الساعي لتأمين العراق وتحريره، أما لو سألت هذه الفضائيات إنقاذ العراق ممن؟ فلن تتواني عن الجهر بالتصريح: من القاعدة، وكأن هذه الأخيرة هي القوى الغازية التي حطمت العراق ودمرته ونهبته وقتلت مئات الآلاف فيه ورملت النساء، وليست تصريحات وآهات الشيخ سلمان العودة عنا ببعيدة، ولست أدري ما الذي تكسبه بعض الفضائيات ممن سخرت نفسها للانتصار لأبي ريشة والهاشمي والمالكي وجيش الطريقة النقشبندية وحماس العراق وشرعت في سوق الاتهامات يمنة ويسرة ضد الجماعات الجهادية كلها أو بعضها وبنفس المنطق الأمريكي ومفردات خطابه الإعلامي والأمني والسياسي؟ وهي ذاتها التي أطبقت صمتا على فعاليات المجاهدين ضد قوات الاحتلال؟ وهي نفسها التي أطبقت صمتا على الغالبية الساحقة من العشائر التي تبرأت من أبو ريشة وأمثاله وأصدرت البيانات المنددة بمجالس الصحوة وغيرها وعبرت عن أصالة عريقة في دعم الجهاد والمجاهدين والتبرؤ من لحظة خيانة لن تقدم أو تؤخر في مسار الزمن ولن تخلف غير العار والذل لأصحابها ناهيك عن خسارة الدنيا والآخرة. ولست أدري لماذا تصر هذه الفضائيات على تجاهل الصمود الأسطوري للمجاهدين في ديالى والموصل وصلاح الدين وغيرها والذي لم تعش الأمة مثيلا له منذ انهيارها بينما نراها منتشية في نقل أخبار الهاشمي ورجاله الصناديد من سواقط المتاع من العشائر وكأنهم المخلِّصون الجدد؟
تُرى! هل تتعامل وسائل الإعلام الغربية مع قضاياها بذات الطريقة التي تتعامل بها فضائياتنا وصحفنا مع قضاياها؟ ولست أفهم: لماذا لا تتخلى الفضائيات الأمريكية عن قتلة بلاك ووتر أو الجنود المغتصبين والقتلة، وهي التي وضعتهم بلاد حقوق الإنسان والديمقراطية فوق كافة قوانين الأرض ومنعت أية جهة من مساءلتهم، بينما يسهل علينا أن نتخلى عن مجاهدينا وقتلانا ونشحذ السكاكين ضدهم ونشوه جهادهم ونحشد العلماء والمثقفين للقضاء على من ضحوا بأرواحهم لتنعم فضائياتنا بالحرية ووفرة الأخبار؟
لست أشك لحظة أن الجهاد في العراق محاصر إعلاميا بالكامل، ومحارَب كما لو أنه الشوكة التي أدمتنا ونغصت علينا حياتنا، ولست أشك أن بوذيي بورما غدوا، بنظر إعلامنا، أشهر وأطهر من كل المجاهدين في هذه الأيام خاصة وأن صورهم تزين الشاشات الفضية إكراما لبطولاتهم التي يستحقون عليها كل الاحترام والتقدير مقارنة بعلمائنا وفقهائنا الذين ولجوا جحور الضب منذ زمن طويل. لكن على إعلامنا أن يحترم عقولنا وذكاءنا ويقرأ الحدث بواقعية وشيء من المهنية والحيادية وهي متاحة قبل أن تلفظه أسماع التهبت قنواتها من تخريفاته ووقاحته. ففي مقابل التغطية المحمومة للهجمة الشرسة على المجاهدين نعلم علم اليقين أنه ثمة مقاومة أسطورية وغضب ماحق يتربص بالقوى المعادية على الأرض وهو ما لا يريد الإعلام الاعتراف به أو ملاحظته.
وإذا كنا ندرك نحن المتابعين ما يجري في العراق فمن الأكيد أن الكثير من الصحفيين يدركون ذلك جيدا، كما تدرك السلفية الجهادية أكثر منا أن المعادلة الإعلامية قائمة الآن على التجاهل والتشويه والنبذ والعداء السافر. لذا فهي تجهد في تصحيح الصورة عبر معطيات عديدة وكثيرة ومتنوعة أحسب أن الإعلام يتجاهلها ولا يجهلها، ولعل أبرزها بلا منازع:
أولا: الأشرطة المرئية في مواجهة طرش الإعلام
فالملاحظ أن الإنتاج المكثف للأشرطة المرئية والتي تقدم صورا حية عن فعاليات المجاهدين في مختلف المناطق التي يزعم أنها سقطت بيد مجالس الصحوة أو المناطق التي تشهد معارك طاحنة قد فضحت كافة وسائل الإعلام وأفقدتها أية مصداقية فيما يتعلق بالوضع في العراق. فقبيل أيام قدمت مؤسسة الفرقان شريطا مرئيا مدويا عن حقيقة ما يجري في قواطع العمليات في ديالى وفي أروقة وزارة الداخلية. وفي الحقيقة فقد شاهدنا رجالا يتمتعون بشراسة وشجاعة وهم يخوضون معارك طاحنة لم نشهدها في حياتنا ولم يسبق لصحفي عربي أو أجنبي أن تشرف بتغطيتها. شاهدنا في الشريط، حيثما كان هناك اشتباكات، صرخات واحدة"الله أكبر"، وشاهدنا تدمير عربات الهمفي واحتراقها بالكامل واستسلام أو فرار بعض راكبيها من الجنود والخونة واحتراق الباقون منهم، وشاهدنا كمائن تتربص بطائرات الهيلوكبتر التي فرت مذعورة من كثافة إطلاق النار عليها برشاشات خفيفة، وشاهدنا شوارع تعج بالمقاتلين ولا يجرؤ معادي على المرور منها أو اقتحامها، وشاهدنا أيدي قطعت وآليات انقلبت وعبوات تنفجر هنا وهناك محدثة دمارا هائلا في العربات المصفحة، وشاهدنا عميدا في حكومة المالكي يتذمر ويشكو بمرارة وهو يصيح ويقول: لم يعد لدينا شيء، لا تسليح ولا إمكانيات ولا متطوعين، وكل ما لدينا 850 آلية دمرت بينما للدولة الإسلامية قوة ونفوذ ومحكمة شرعية، وللحق فلم نشاهد لا أبو ريشة ولا حماس العراق ولا الحزب الإسلامي ولا زبانية المالكي وعملائه.
أما الإصدار الضخم والشامل الذي أصدره منبر أنصار السنة عن مدينة الرمادي بعنوان:"العصية على شر البرية-جزأين"وحياتها ومقاومة أهلها للأمريكيين ورموز الفتنة فيها فقد عميت عنه وسائل الإعلام التي طنطنت لخلو المدينة من المجاهدين فجاء الإصدار محملا بمقابلات عميقة وأسئلة دقيقة شملت الرد على مختلف جوانب الحياة ليفضح النفاق الإعلامي خاصة وأنه صور في المدينة وبين المجاهدين الذين تحدثوا عن معاناة المدينة واضطرارهم إلى تغيير استراتيجياتهم بعد أن قسمت المدينة إلى مربعات يصعب حتى على القوى المعادية التجول فيها. كما تحدثوا طويلا عن عملياتهم داخل المدينة وعن لحاق المتطوعين بهم من صغار السن الذين يقول أحد المجاهدين عنهم أن تدمير الهمر بات من هواياتهم. أما عن مجلس ثوار الأنبار ورموزه من العشائر الخونة فليسوا بالنسبة للمجاهدين إلا"كفرة"وقلة من اللصوص تبرأت عشائرهم نفسها منهم.
أما أطرف ما شاهدناه في شريط"العصية"في جزئه الأول فهو انتشار المقاتلين من أنصار السنة في قلب شوارعها وخوضهم لمعارك شرسة ضد القوات الأمريكية والعميلة، أما في جزئه الثاني فقد شاهدنا القنص والعبوات وعربات الهمفي وبرادلي تنفجر واشتباكات وملاحم بطولية وجها لوجه، ورأينا كيف أجّل المجاهدون قتل أحد"الوثنيين"وهو جالس على عبوة مزروعة حتى خلا الشارع من المارة فهل هذه هي المدينة نفسها التي صدّع الإعلام بها رؤوسنا وهو ينقل لنا أنها تعيش آمنة مطمئنة في رحاب"ثوار الأنبار"؟ أبعد كل هذه الصولات والجولات في قلب المدينة يقال أنها آمنة ويريدون من الناس أن يصدقوا الكذب!؟ أكثير على أحد مجاهدي الأنصار أن يكتفي فقط بطلب كف الألسن عن المجاهدين وتشويههم؟ أليس تصوير"العصية"بمدى زمني يتجاوز التسعين دقيقة هو عمل إعلامي جبار وبامتياز بالنظر لما يحتويه من معلومات وصور حية عن حقيقة ما يجري في الرمادي؟ وأخيرا، أليس الشريط صفعة بوجه الإعلام العربي الخائب وهو يخفي الحقيقة ويزورها لصالح المالكي وأبو ريشة والذين في قلوبهم مرض؟
أين كان الإعلام من قواطع العمليات ووقائع الجهاد التي نقلها لنا شريطا"السهم الخائب"و"العصية على شر البرية"، ناهيك عن عشرات البيانات التي تعج بها الشبكات عن خسائر الأعداء والأشرطة المصورة التي تثبت وقوع الحدث بالدليل القاطع؟ وأين كانت الفضائيات المتحمسة للفتن وتتبع سقطات المجاهدين وأخطائهم من صراخ الضابط العراقي؟ وأين كانت من خسائر قواته التي اعترف بها بنفسه؟ وأين كانت من تدمير العربات الأمريكية وإحراقها على رأس من فيها؟ وأين الإعلام مما تصدره الفرقان والأقسام الإعلامية للمجاهدين في عشرات الأشرطة؟ وهل يمكن إخفاء هذه الحقائق؟ أم أن هذه الفضائيات ووسائل الإعلام انطرشت حتى عن"الله أكبر"ولم تعد تسمع إلا بالعمليات المزورة وعمليات جيش الطريقة النقشبندية وأخبار أبو ريشة الذي لم نعد نسمع له ذكر!؟
ثانيا: تصفية رموز الفتنة
فقد لوحظ بما لا يدع مجالا للشك أن السلفية الجهادية عبرت عن تصميم عز نظيره على ضرب القوى المعادية بشراسة أيا تكن النتائج. ولو تتبعنا الوضع المزري للجهاد في العراق لأدركنا أن دولة العراق الإسلامية خاصة والقوى السلفية عامة قد عقدت العزم على تصفية ما تعتبره قوى الردة والخيانة، خاصة من أولئك الذين ينتمون للعشائر والحزب الإسلامي وجماعاته المسلحة. وكانت أشهر العمليات بداية ضد سلام الزوبعي ثم في فندق المنصور حيث حصدت سبعة من رؤوس العشائر وفي الرمادي حين اغتيل عبد الستار أبو ريشة وفي التاجي خلال اجتماع لرؤوس العشائر وفي الموصل وكنعان والفلوجة والأهم بعد أبو ريشة في حفلة مصالحة بعقوبة مؤخرا والتي ذهبت ببعض من كبار الرؤوس وفضحت آخرين وهزت عروش الحلفاء من عشائر وشرطة ومسؤولين مدنيين وحكوميين وأمنيين ومن هم محسوبين على قوى جهادية.
لكن الأهم أن النشاطات المحمومة لدولة العراق الإسلامية التي نلحظها في هذا السياق من المواجهة تؤشر على تقدم العمل الاستخباري للدولة على ما عداه من أعمال عسكرية، أو بصيغة أدق فالمواجهة مع الأمريكيين يبدو أنها تأخذ طابع حروب العصابات من كر وفر، أما المواجهة مع سقط العشائر فتأخذ طابعا أمنيا حادا وبالغ القسوة، بل أن المواجهة تكشف عن غضب عارم يجتاح الدولة ومقاتليها من القوى الحليفة للأمريكيين والحكومة العراقية وتصميم على استخدام قسوة غير معهودة إلا حين كانت المواجهات في بداية الاحتلال تستهدف القوى الرافضة من بدر وجيش المهدي وغيرهم من مجرمي الداخلية فضلا عن اختطاف الرهائن الغربيين وقطع رؤوسهم.
هكذا سيتبين للإعلام أن صمته أو تجاهله لن يطول كثيرا خاصة وأن الضربات المتلاحقة ستفرض عليه مواكبة الحدث حتى لو لم يعجبه صانعوه، لكن الأهم من الإعلام هو التنبه إلى أن الحصار القائم لا يبدو أنه بقادر على إحداث أدنى أثر في وجهة المجاهدين وتصميمهم على استمرار مشروعهم حتى لو لم يعترف الإعلام وغيره من الخصوم والعملاء بأن الله حقا أكبر.
نشرت بتاريخ 28 - 02 - 2009