د. أكرم حجازي
رغم أن الوقت لم يحن بعد لتقييم وضع العراق إلا أنه يمكن القول أن الانتخابات النيابية لن تكون، مبدئيا، أكثر من استحقاق إعلامي سواء شارك فيها 150% من الشعب العراقي أو اقتصرت على سكان المنطقة الخضراء. ومع ذلك فإن كل ما فيها، قبل التصويت وبعده، يبعث على العجب سواء من حيث التحالفات الجديدة أو من حيث برامج القوائم أو من حيث التسميات الفارغة لها أو من حيث الهوية الطائفية التي جرى تجميلها بما يزيدها قبحا على قبح. لكن الأشد إثارة كان يوم التصويت، حيث بدت فيه دولة العراق الإسلامية في واد وكل العراق في واد آخر.
لا يهم في السياق التوقف عند التعتيم الإعلامي الشامل على ما بدا حربا جرت هندستها بدقة متناهية، ولا يعنينا البحث في أسباب هذا التجاهل، ففي مثل هذه الأحداث أو المناسبات من الطبيعي أن تلجأ كافة القوى ووسائل الإعلام لتمرير الحدث وتشريعه وحتى تضخيمه إن لزم الأمر. فلكل حساباته ولكل مصالحه، أما دولة العراق الإسلامية فليست داخلة في حسابات هذا الطرف أو ذاك إلا كخصم ينبغي محاصرته إعلاميا في حدث الانتخابات مهما بلغت درجة معارضته لها. لذا فإن ما يعنينا هو قراءة الحدث بالمنظور الذي جرى تغييبه بينما تنذر فعالياته بسنوات عجاف قادمة لعلها تكون أشد وطأة مما سبقها.
بداية لا بد من التذكر بأن أبي عمر البغدادي أمير دولة العراق الإسلامية هدد في خطاب صوتي له بعنوان: «جريمة الانتخابات الشرعية والسياسية .. وواجبنا نحوها - 12/ 2/2010» بإفشال الانتخابات قائلا: «بعد طول مشورة مع أهل الرأي من العلماء وشيوخ العشائر والمجاهدين في الدولة الإسلامية قررنا منع الانتخابات وبكل السُبل المشروعة الممكنة وعلى رأسها السبيل العسكري» ، وقبل ثلاثة أيام، من بدء التصويت، أصدرت «الدولة» بيانا (4/ 3/2010) أعلنت فيه: «لأول مرةٍ حظرَ تجوالٍ في يومِ الانتخاباتِ الموافق للأحد 21 ربيع الأول 1431 للهجرة / 7 آذار 2010، من الساعةِ السادسةِ صباحًا، وحتى السادسةِ مساءًا، في عمومِ البلاد وخاصة مناطق أهلِ السنّةِ، ولسلامةِ أهلِنا، فمنْ علِمَ منهم يُخبرُ من لم يعلمْ، وتزودوا للحظرِ بحاجاتِكُم. وإنّنا نتمنى على أهلِنا الكرامِ الالتزام بأولِ حظرٍ يعلنُهُ أبناؤهم وإخوانُهم المجاهدون» .
من جهتهم بدا المسؤولون العراقيون الأمنيون واثقون من إجراءاتهم الأمنية إلى الدرجة التي شجعت قاسم عطا مسؤول عمليات بغداد على القول بأن وقوع تفجير واحد يوم الانتخابات هو «أضغاث أحلام» ، لكن تهديدات دولة العراق الإسلامية جرت ترجمتهما فعلا عبر سلسلة عروض عسكرية وأمنية وسياسية مدهشة تزامنت مع فتح صناديق الاقتراع. فهل أخطأ قاسم عطا التقدير حتى تجري الرياح بما لا تشتهي السفن؟ أم كذب؟ أم أن التصريح كان شر لا بد منه؟ أم أنه تفاجأ كما تفاجأ الكثيرين بأداء القاعدة في العراق حتى أنصارها على المنتديات الذين بدوا منتشين وكأنهم يعيشون يوما تاريخيا غير مسبوق؟ لا يهم. لكن من المهم قراءة الأداء الأمني والعسكري للدولة في ذلك «اليوم التاريخي» .
من المفترض أن العراق جرت تغطيته أمنيا عبر مئات الآلاف من الجنود والشرطة والحرس الوطني والمخابرات وحتى من الميليشيات والعملاء والجواسيس والأعين فضلا عن عشرات آلاف المراقبين والدعم الجوي من الطائرات السمتية والإلكترونية التي تعمل برعاية القوات الأمريكية. وبالإضافة إلى ذلك تم فرض حظر جوي وبري وبحري على منافذ البلاد وتحصين المناطق ومراكز الاقتراع من أية هجمات محتملة، ومُنعت المركبات من السير على الطرقات. كل هذا وغيره أعطي قاسم عطا وغيره الحق في عدم توقع أدنى انفجار! ومع ذلك فقد سقطت مئات قذائف الهاون وانفجرت عشرات العبوات وأطلقت الصواريخ ونسفت بنايتين لعوائل قيل أنها لقوات بدر، وانتكست نسبة المشاركة في الانتخابات وتمت الاستعانة بالمساجد لتحريض الناس على الاقتراع وعدم الخوف مما رآه رئيس الحكومة نوري المالكي مجرد قنابل صوتية في محاولة منه للتقليل من شأنها. فما هو الغريب فيما حدث؟
الغريب أن «الدولة» التي «فرضت حظر التجول» كانت تتجول، وحدها، وسط جيوش أمنية جرارة، ومع ذلك لم تحل كل هذه الظروف والقوى دون منعها من شن حرب شاملة على العملية الانتخابية. والأغرب أن انتشارها العسكري الواسع النطاق وفعالياتها المسلحة تزامنت في وقت واحد لتشمل معظم مناطق العراق السنية وخاصة العاصمة بغداد. وهذا هو المدهش في الأمر. إذ بدا واضحا أنها جهزت مقاتليها جيدا آخذة بعين الاعتبار أعتى الظروف الأمنية على الإطلاق، والتي لا تسمح بتنقل المقاتلين بين منطقة وأخرى، فتواجدت في كافة المناطق لتكشف بذلك عن مدى انتشارها وثقلها العسكري.
أما كيف غفلت القوى الأمنية عن هذا الحجم الكثيف من الانتشار؟ فلا ندري. وكيف خُدعت القوات الأمريكية التي تراقب الجو عن حرب استمرت إلى عصر يوم الانتخابات دون أن تنجح في منعها أو التقليل من كثافتها؟ فلا ندري ولا هي تدري. وعلى هذا المنوال لم نعد ندري ما إذا كانت الحكومة العراقية قادرة على الصمود لمدة 24 ساعة لو انسحب الأمريكيون من العراق واضطرت إلى خوض حرب شاملة مع القاعدة؟
في خطابه الصوتي تحدث البغدادي عن «طول مشورة» شملت كل من: (1) أهل الرأي من العلماء و (2) شيوخ العشائر و (3) المجاهدين في الدولة الإسلامية. كما تحدث عن قرار بمنع الانتخابات مستخدما للمرة الأولى تعبير: «كل السُبل المشروعة الممكنة وعلى رأسها السبيل العسكري» . وقد نفهم «السبيل العسكري» لكن ما هي «السبل المشروعة» التي يمكن للقاعدة أن تتبعها في منع ما تعتبره كفرا؟
الملاحظ أن حربا شاملة بهذا الاتساع ما كان للبغدادي أن يعلنها دون توفر: (1) حاضنة اجتماعية ترفض الانتخابات و (2) تقبل بالسبيل العسكري و (3) بنفس الوقت توفر الغطاء الأمني. لكن هذه المرة بدون سيارات مفخخة وبدون قصف مباشر لمراكز الاقتراع إلا تلك التي يتركز فيها الخصوم مع تجنب إيقاع خسائر في صفوف المدنيين. وحين مراقبة الأداء العسكري ليوم الانتخابات تبين أن أغلب القذائف سقطت قريبا من مراكز الاقتراع أو عبوات ناسفة وضعت على جوانب الطرق أو في الحاويات أو في المعازل بحيث يؤدي انفجارها إلى تخويف الناس أكثر من إصابتهم ناهيك عن قتلهم. لا شك أنه أسلوب جديد في التعامل مع أحداث سياسية ذات طابع اجتماعي.
ولعل أطرف ما تم رصده من ردود فعل على الأداء العسكري هي تلك التصريحات التي أدلى بها مسؤولون عراقيون وقد خلت تماما، وعلى غير العادة، وربما للمرة الأولى، من اتهام القاعدة بممارسة القتل العشوائي واستباحة الدماء كما كان يحصل عند كل هجوم يستهدف المؤسسات الحكومية أو الجيش والشرطة أو الصحوات أو القواعد العسكرية ومراكز الأمن.
فمن جهته صرح نوري المالكي واصفا الانفجارات بأنها: «مجرد أصوات لتخويف المواطنين» ، وكذلك قاسم عطا: «يريدون التأثير على الناخب العراقي ومنعه من المشاركة في الانتخابات «، أما رئيس مجلس النواب إياد السامرائي فقال:» الانفجارات لن تؤثر في مسارنا نحو الديمقراطية، فهؤلاء يائسون وبدلًا من أن يضعوا أيديهم بأيدي العراقيين يهاجمونهم». وحتى الأمريكيين لم يبتعدوا كثيرا عن تصريحات العراقيين. فقد رجح «جيف ماكوسلاند» مستشار الشؤون العسكرية في شبكة تلفزيون CBS News الأمريكية أن: «هدف الهجمات الإرهابية الأخيرة التي شهدتها بغداد هو إفشال العملية الانتخابية الجارية حاليا» ، مشيرا أن: «المتمردين لا يهدفون إلى قتل أكبر عدد ممكن من المدنيين العراقيين ولكنهم يريدون تخويف السكان بهذه الهجمات المتفرقة ولاسيما في بغداد للحد من عدد المشاركين في عملية الاقتراع» رغم أنهم: «ما زالوا قادرين على شن هجمات كبيرة باستخدام السيارات المفخخة وغيرها من الأسلحة، الأمر الذي يتسبب في مشاكل كبيرة وذلك ما فعلوه خلال الأيام والأسابيع التي سبقت هذه الانتخابات» .
إلى هذا الحد لا يبدو أن دولة العراق الإسلامية، بشهادة الخصوم والأعداء، قد تجاوزت السبل الشرعية حتى وهي تستعمل الخيار العسكري كـ «سبيل شرعي» في مواجهة الانتخابات النيابية والسعي لإفشالها. ولا شك أن مثل هذه الشهادات، خسرت دون أن تدري تهمة قتل المدنيين التي استعملتها كسلاح فتاك لفك الارتباط بين القاعدة والحواضن الاجتماعية، ولا شك أيضا أنها خسارة ستلقي بظلالها على اتهامات مماثلة تبنتها بعض الجماعات الجهادية.
والأهم أن دولة العراق الإسلامية، وهي تضع جماعات أخرى في حرج خاصة وأنها لم تفعل شيئا لإفشال الانتخابات رغم أنها عبرت عن رفضها لها، جعلت من البغدادي، صاحب مبادرة وحدة الجماعات الجهادية، وكأنه الوحيد الذي أدلى بأكثر من صوت في الانتخابات. وذكّرت في الوقت نفسه، بقصد أو دون قصد، بما سبق للبغدادي وأن عبر عنه في خطابه الشهير: «قل إني على بينة من ربي 13/ 3/2007» حين تساءل: «كيف حال الجهاد في بلاد الرافدين لو لم يكن هناك مجلس شورى المجاهدين ولا دولة الإسلام؟ وكيف تصير الأمور لو ترك كل أبناء الدولة الإسلامية السلاح، وقعدوا عن الجهاد؟ الجواب معروف ... » . وهكذا يلقي البغدادي، هذه المرة كرة قوية، في ملعب الجماعات الجهادية فلعلها تجد صدى لها في قابل الأيام.
نشرت بتاريخ 13 - 03 - 2010