فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 167

سقوط آخر المراهنات

على انقسام الخطاب الجهادي العالمي

د. أكرم حجازي

فيما عدا تعقيب الشيخ حامد العلي على خطاب بن لادن الأخير (السبيل لإحباط المؤامرات 29/ 12/2007) يمكن القول أن صمتا مطبقا على المستوى الرسمي ميز ردود الفعل. فلا الجماعات الجهادية في العراق، القريبة أو الخصيمة لدولة العراق الإسلامية وأميرها الشيخ أبو عمر البغدادي، علقت على الحدث وهي المعنية قبل غيرها فيه ولا القوى السياسية العربية الرسمية أو الوطنية بما فيها قوى المقاومة الإسلامية خاصة الفلسطينية منها ولا حتى الفقهاء والعلماء من الجزيرة العربية وخارجها ولا من الشخصيات الدينية ذات الثقل الوطني أو السياسي ولا من كبار الكتاب المخالفين الذين آثروا الانزواء كغيرهم. وحتى هذه اللحظات لم نقع على بيان رسمي أو تصريح ذا شأن لأية جماعة، أما لماذا؟ فلأن هذا بيت القصيد لهذه المقالة.

بداية لا بد من الإشارة إلى أن قناة الجزيرة اقتربت هذه المرة نسبيا من الوصول إلى جوهر الخطاب وهي تتحدث عن دعوة بن لادن الجماعات الجهادية إلى التوحد خلف أبي عمر البغدادي وقضية النفط وتوسيع ساحة المعركة لتشمل فلسطين، بخلاف ما علق عليه البعض، إذ أن أهم ما ورد في الخطاب، إن لم يكن جوهره الوحيد، بقطع النظر عن التفاصيل، هو تزكية دولة العراق الإسلامية لا باعتبارها دولة تنظيم بقدر ما هي إطار للجماعة. ومع أن الخطاب اشتمل على مواضيع شتى وحاسمة، علاوة على الكلمة الفصل فيما يتعلق بدولة العراق الإسلامية، بعضها تضمن معاتبات (لأنصار الإسلام) وتوجيهات (للدولة) وردود على الطعون في شرعيتها وتحذيرات ونصائح (لحماس فلسطين) وإدانة (لأحزاب الضرار وحزب الله) إلا أن للخطاب نكهته وسطوته، وبالتأكيد في متن النص بعض التفصيلات.

أولا: القوى المعنية بالخطاب

بلا شك يمكن اعتبار الخطاب هو الثاني الموجه لـ"أهل العراق"، بل أنه وجه إلى ثلاث فئات حصرا ليختصهم بحديث عما يسميه بـ"المؤامرات التي يحيكُها التحالف الصهيوني الصليبي بقيادة أمريكا بالتعاون مع وكلائها في المنطقة لسرقة ثمرة الجهاد المبارك في أرض الرافدين"، وهذا يعني (1) أن القوى المعادية للمشروع الجهادي أيا كانت هويتها غير مستهدفة بالخطاب بشكل مباشر و (2) أن قادة التيار الجهادي العالمي على أعلى مستوى يؤمنون أن هناك سعي حثيث من أكثر من طرف يستهدف بالتحديد"ثمرة الجهاد"في العراق و (3) أن الواجب هو"إفساد هذه المؤامرات"، لذا فقد توجه الخطاب إلى الفئات التي تقع عليها مسؤولية حماية المشروع الجهادي من الاستحواذ على ثماره أو إفراغه من مضامينه وأهدافه، وهي:

•"أهل العِلم والفضل؛ فالشائع لدى السلفية الجهادية هو استعمال تعبير"علماء السوء"المرادف لـ"علماء السلطة والسلطان"، وقد تجاوز الخطاب استهدافهم من باب تحصيل الحاصل، لكن الفئة النقيضة المقصودة هي تلك التي يقدمها للمرة الأولى باسم:"العلماء غير الرسميين". وهي فئة، بحسب الخطاب، كثير من علمائها ودعاتها"رجال موالون للدولة يسعون في تحقيق سياستها في العراق"ويجري غض الطرف عن نشاطاتها كجمع التبرعات لدعم بعض الجماعات الجهادية دون علم منها بحقيقة الدور الذي تلعبه هذه الفئة خاصة"إقناع قادة هذه الجماعات ... (بـ) الرضا بحكومة وحدة وطنية، فضلًا عن حثهم لبث الدعايات المغرضة ضد دولة العراق الإسلامية وقتالها إن أمكن"."

• قادةِ الجماعات المجاهدة وأعضاء مجالس الشورى فيها؛ ونقيض هذه الفئة هي:"أحزاب وجماعات الضرار بقيادة من خان الملة والأمة طارق الهاشمي"الذي:"دعا صراحةً لإبرام اتفاقيات أمنيةٍ طويلةِ المدى مع أمريكا". وهي جماعات تعتقد بالحل الوطني، وتشارك بطريقة مباشرة في:"الخيانة العظمى"في العراق.

• شيوخ العشائر الحرَّة الأبية". ونقيضها هي:"صحوات الضرار"، كون أصحابها:"خانوا الملة والأمة, وجَرُّوا على أنفسهم ومن تبعهم الخزي والفضيحة والعار". ومثل هؤلاء ممن أُغويوا بالأموال الأمريكية ووعدوا بالامتيازات لا مبرر لهم ولا مشروعية ولا نصير ولا أمن ولا أمان؛"ما لم يتوبوا"، فهم:"شَرَّ التجَّار ... الذين يتاجرون بدينهم ودين أتباعهم ... وقد عاجلهم أُسْدُ الإسلام بالقتل جزاء لهم وردعًا لأمثالهم, ولم يغنِ عنهم بوش وجنوده شيئًا, فخسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين"."

هذه هي الفئات الثلاثة المستهدفة في الخطاب، لكن إذا رفعنا قليلا من مستوى التحليل ودقته سنلاحظ أنه ما من مشكلة يثيرها"أهل العلم والفضل"ولا"شيوخ العشائر الأبية"باعتبارهما جهتين داعمتين للجهاد والمجاهدين ولا يؤتى الخطر من قبلهما، كما أنه لا خلاف على جبهة أعداء المشروع الجهادي وبالتالي فالفئة المستهدفة بالخطاب هي بالضبط:"قادة الجماعات المجاهدة وأعضاء مجالس الشورى فيها"بالنظر إلى الخلافات والفرقة التي تعصف فيما بينها بمن فيها جماعات السلفية الجهادية. ومع ذلك فقد صمتت هذه القوى مثلما صمت غيرها، فكيف نقرأ هذا الصمت؟ وفي أي سياق؟

ثانيا: قراءة في صمت القوى

إذن كان الشيخ حامد العلي هو الأول والوحيد الذي عاجل الشيخ أسامة بالرد على الخطاب بصورة غير مباشرة، إذ خلت فتواه من ذكر أي من الجماعات الجهادية بما فيها دولة العراق الإسلامية، ففي اليوم التالي للخطاب تلقى الشيخ على موقعه سؤالا تقدم به"بعض الأفاضل"نص على ما يلي:"فضيلة الشيخ حرصا منا على تجنب الجدال، والمراء، والفتن، نصوغ سؤالنا صياغة بتجرد، فنقول: هل هذه الدول الموجودة الآن يصح أن يقاس عليها الإمامة الشرعية؟، وهل للتمكين أو السلطان الذي يمكن للإمامة به أداء واجباتها أو الشوكة حد أدنى يشترط لتكون إمامة شرعية، أم الأمر مفتوح بلا حدود منضبطة، .. أفتونا مأجورين". ولا شك أن السؤال يتعلق بدولة العراق الإسلامية مثلما هي الإجابة بحيث تكون النتيجة بالمحصلة تجديدا لموقف الشيخ حامد الرافض لإعلان الدولة. لكن فتوى الشيخ لم تنجح في خدش جدار الصمت المثير الذي خيم على الجميع بلا استثناء، فما الذي حدث؟ وبأية مبررات يمكن تفسير هذا الصمت؟

1)هيبة الرجل

الثابت أن العناصر المكونة لشخصية بن لادن قد لا تساهم كثيرا في تحديد توجهاته أو التنبؤ بها لكنها قادرة على تشكيل صورة انطباعية عن الرجل محاطة بهيبة فطرية طاغية يصعب النيل منها، وهو ما نسميه بالعلوم السياسية أو الاجتماعية بالشخصية الكاريزمية. ففي خطاباته الصوتية والمرئية وفي المقابلات الصحفية له تميز الرجل بصوت هادئ ودافئ ولطف شديد في الحركة ورقة متناهية وابتعاد عن العصبية ولين في القول حتى لو كان شديد الحسم، وتواضع، وأدب جم، وورع وتقوى وزهد لم ينكره عليه حتى مخالفيه. أما سياسيا فالرجل الضعيف البنية جاهد بنفسه وأهله وبكل ما يملك من مال وثروات، وفضل حياة المطاردة والكهوف التي يعيبها البعض عليه، وكان بيده الأمر والنهي والمُلك والجاه والمكانة والسند ولم يفعل، وطارد أعتى قوى الأرض وضربها حتى في عقر ديارها وفي أوضح رموز قوتها وعنفوانها وخرب خططها وتربص بها الدوائر وأذل قوى الأمن وأجهزة الاستخبارات العالمية ومرغ أنفها بوحل من العار لن تمحوه سنين الدهر حتى لو احتلت الولايات المتحدة نصف العالم الإسلامي وفتكت بشعوبه، وما زال مصرا على المضي قدما في طريقه، بل أنه بات رمزا في مواجهة أمريكا وقوى العدوان في العالم أجمع.

هذا الرجل لا يستعجب منه كل من قابله بل حتى من لم يقابله بمن فيهم غير المسلمين، وفي مقالة عجيبة كتبها صحفي فنزويللي من أصل لبناني يدعى جون بطرس قال عنه: أن الأمريكيين اللاتينيين ينظرون إليه كبطل للعرب والمسلمين، والأعجب أن خصوم القاعدة من الجماعات الأخرى يُجلّونه ويثكْبرونه ويتغافلون عن نقده لجماعاتهم بخلاف أي من قادة القاعدة الآخرين كالظواهري مثلا.

هكذا هي صورة بن لادن وهي تتمتع باحترام وإعجاب عز نظيره في عالم الإسلام والمسلمين، وفي ضوئها صمت الجميع عن الرد والتعليق على خطابه الذي قلب فيه الطاولة وخلط كل الأوراق ومزق كل المراهنات مخلفا حيرة ورهبة وعلى الأكثر حنقا خفيا أو عتبا ظاهرا لدى الخصوم والمخالفين خاصة وأنه رجل يصعب المساس به أو ثلب مكانته أو التعرض لها بسوء، بل أن هؤلاء وقعوا في حرج مما راهنوا عليه. ولو فتشنا عن حاله الآن خارج هذه الصفات لما وجدناه يتمتع بشيء يذكر من القوة المادية، فهو الآن بلا مال وربما بلا زوجة وأحد أبنائه أسيرا لدى الإيرانيين ومطارد وقد يكون مريضا فعلامَ يخشاه الناس ويرهبه الأعداء وغيرهم إن لم يكن لتلك الصفات التي يفتقدها عالم اليوم؟

لذا فالأرجح أن يكون الصمت ناجما عن الرهبة لأن التصريح بغير حساب في تناول مواقف بن لادن قد تؤدي إلى نتائج عكسية، فهو ليس من الشخصيات التي يمكن انتقادها بسهولة (رغم أنه ليس فوق الانتقاد حتى من قبل السلفية الجهادية ذاتها التي تردد أن الحي لا يؤمن عليه من الفتنة) دون أن يكون لذلك تبعات داخل أية جماعة الكثير من أفرادها يكنون الاحترام والمودة للرجل ويعتقدون بصدقه وصدق جهاده حتى لو كانوا يخالفونه المنهج والرأي. وبهذه التوصيف يكون الشيخ أسامة قد أثبت أنه الشخصية الأكثر حظا من أية شخصية أخرى في التعبير عن ضمير الرأي العام الجهادي على مستوى الجماعات الجهادية كافة وعلى مستوى الأنصار وعلى مستوى المجاهدين وعلى مستوى الشخصيات الدينية والفقهية ناهيك عن مكانته لدى عامة الناس ممن لا تهمهم تفصيلات الحياة السياسية وتعقيداتها.

2)مشاورات بين الجماعات

إلا أن الصمت المطبق هذا يمكن قراءته على نحو آخر كأن تكون الجماعات الجهادية بصدد القيام بقراءات للخطاب من جهة ومراجعة مواقفها من جهة أخرى وتقييم سياساتها من جهة ثالثة لاسيما وأنها مدعوة إلى التوحد ومدعوة إلى عام الجماعة. إذ أن الصمت لا يمكن تفسيره فقط بكاريزمية الرجل التي ألقت بظلالها على الجميع بلا استثناء إلا من فتوى الشيخ حامد العلي التي أحسب أنها لن تنال شيء من شخصية الرجل. لذا يمكن التفكير باحتمالين آخرين لتفسير موقف الجماعات الجهادية في العراق:

الأول: أن يكون الصمت مقصودا بذاته ولذاته. ذلك أن بعض الجماعات المخالفة والخصيمة وحتى الحليفة لدولة العراق قد ترى في الصمت ملاذا قويا لها مما لو اتخذت قرارا بالرد قد يعكر صفو انسجامها ويتسبب بتصدعات داخلية في بنائها التنظيمي. فما من ضامن يحول دون الانقسام والتفكك على مستوى القواعد على الأقل حيث يحظى بن لادن على الخصوص باحترام المجاهدين من شتى الأطياف. والمساس بالرجل أو بدعوته قد يفسرها الكثير على أنها خلل في المنهج. وبالتالي فإن أي تعليق سلبي على الخطاب قد يؤدي إلى افتضاح نهج بعض الجماعات وبالتالي تحول الخصومة إلى عداء والشروع في عملية فرز أو ما تسميه السلفية بتمايز الصفوف. لذا فالصمت هو نوع من الهروب من الرد بحيث تبقى الأمور كما هي وبأقل التكاليف.

الثاني: أن تكون الدعوة إلى عام الجماعة قد تسببت بوضع النقاط على الحروف خاصة وأنها وجهت للجميع، وأن الجماعات مدعوة من أكبر رموز الجهاد إلى التوحد، إلا أنه حين استغرق في بيان وجوب التوحد والاعتصام بدا بن لادن واضحا، وهو يشدد على رفض المبررات التي تتمسك بالفرع على حساب الأصل، أنه كان يقصد بذلك جماعة أنصار الإسلام الحليف القوي للدولة مثلما قصد كافة جماعات السلفية الجهادية. على أن هذه الجماعات ليس من عادتها التصريح بما تفعل على المستوى التنظيمي، وقد يكون خطاب بن لادن قد شجعها فعلا على إعادة قراءة مواقفها. إذ ليس من الحكمة أو المنطقي أن تتوحد الجماعات القريبة من بعضها في إطار جبهات فيما تبقى جماعات السلفية الجهادية متجاورة ولكن خارج إي إطار سياسي ولو جبهوي.

3)الموقف من حماس

أحسب أن الخطاب لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وأشار إليها، فبالنسبة للحزب الإسلامي وحزب الله فقد ذكرهما منددا بهما وبقيادتهما، لكن حين تعرضه لحركة حماس الفلسطينية فقد بدا بن لادن معاتبا ومحذرا وناصحا، إذ أن تحديد الموقف من حماس، بحسب السياق الذي ذكرت فيه، جاء ليؤكد على مسألتين:

الأولى: تثبيت وحدة الخطاب والموقف مثلما عبر عنه قادة القاعدة في مناسبات مختلفة. وبالتالي فهو لم يتعرض لحماس كقضية خلافية مثلما هو حال الحزب الإسلامي وأدواته أو حزب الله بدليل أنه انتقد قيادتها ولم ينتقد أعضاءها ولا مقاتليها، فهو يعتبر أنها تعرضت لـ"إغواء"نتج عنه أن:"أضاعت دينها ولم تَسْلَم لها دنياها"، فلا هي احتفظت بمرجعيتها الدينية للتقرير في المسائل السياسية ولا هي حققت أية مكاسب من توجهاتها السياسية، وعليه فقد آن أوان"الصادقين"فيها كي يتدخلوا"ليصححوا مسارها"، وهي دعوة مماثلة سبق وأن كررها الظواهري عديد المرات. فالقاعدة تختلف مع حماس في مسألة الحاكمية وترى أن القبول بـ:"دولة الوحدة الوطنية واحترام المواثيق الدولية الظالمة"هو إضاعة لها.

الثانية: استجابة لدعوته إلى التدخل باعتباره موضع ثقة أكثر من الشيخ أيمن بالنظر لما تراه حماس والإخوان المسلمين عقدة مستأصلة لدى الظواهري تجاه الإخوان المسلمين تاريخيا. وفعلا استجاب الرجل وجدد ما سبق للظواهري أن صرح به، وحتى لا يزيد الطين بلة اختصر في القول وأورده، بعبارات أقل حدة، في سياق المثالب على كافة القوى السياسية ولم يختص به حماس. وأظن أن امتناع حماس عن الرد أو التعليق كان موقفا حكيما منها لسنا ندري إن كانت ستحافظ عليه؟ أم ستفقده؟

أما فيما يتعلق بتوسيع ساحة الصراع في فلسطين فأحسب أن المسألة تحتمل التفصيل، ولا شك أن تجديد القَسَم الشهير لبن لادن عن فلسطين له أهميته الكبرى في القراءة لكن التدقيق في السياق الذي ورد به القَسَم يشير إلى حد كبير إلى رغبة القاعدة في تطمين الفلسطينيين الذين يلحون باستفساراتهم عن الوقت الذي ستتواجد به القاعدة في فلسطين وتبدأ بشن هجمات ضد إسرائيل، وكان بن لادن واضحا وحاسما وقاصدا التعرض لهذه النقطة بالذات وهو يبرر التأخير بما تمخضت عنه هجمات 11 سبتمبر وانشغال القاعدة بمنازلة الأمريكيين في أفغانستان والعراق. والحقيقة أن الأسئلة التي تثار من هذا النوع بين الحين والحين تحتمل هي الأخرى عدة قراءات خاصة أن بعضها ينطوي على سخرية واستهزاء، وبعضها الآخر ممن حسنت نواياه ويمنّي النفس يظن أن القاعدة تنظيم تقليدي ينطوي على إمكانيات هائلة يمكن أن ينتقل بسهولة إلى حيث يشاء، وبعض ثالث يتعامل مع القاعدة كما لو أنها شركة استثمارية متعددة الجنسيات مقرها الرئيس في قندهار وما على بن لادن إلا اتخاذ قرار إداري بفتح فرع لها في فلسطين أو لبنان أو مراكش أو ... !

ثالثا: قيمة الخطاب وتميزه

تكمن أهمية الخطاب وقيمته في إسقاطه لكافة المراهنات على تفكك الخطاب الجهادي العالمي، وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى ثلاثة شواهد تؤكد وحدة الخطاب ووحدة القيادة:

1)سقوط فرضية التمييز بين الظواهري وبن لادن

فقد ثبت بالقطع أن لغة خطاب رموز قاعدة الجهاد متماثلة لا لبس فيها ولا مداهنات ولا تراجع. فالمصطلحات التي استعملها الظواهري في خطاباته ولقاءاته المتكررة مع السحاب لم تَحِد قيد أنملة عن لغة خطابات بن لادن، بل أن توصيف الرجلين للأحداث والمواقف الواجب اتخاذها منها متطابقة وليس متماثلة فقط. وبالتالي فما من معنى لمحاولات البعض البحث عن (أو) الترويج لفوارق بينهما. وما من معنى للزعم بأن بن لادن متأثر بالظواهري، ولا فائدة من العيش على أوهام سرقة الظواهري لقيادة التنظيم. ولنفرض جدلا أن الظواهري سطا على التنظيم واستأثر بقيادته هو ورفاقه المصريين من جماعة الجهاد كما يقول أصحاب هذه الفرضية فهل استطاع سرقة كل الرموز الآخرين خاصة ممن يتولون مهام اللجنة الشرعية في القاعدة علما أن أغلبهم من ليبيا وليس من مصر؟ لا ريب أن هذه الأطروحة سقطت، ومن أراد أن يتأكد فليراجع أشرطة السحاب ليجد أنه ما من فرق يذكر بين بن لادن والظواهري وأبي اليزيد وأبي يحيى الليبي وأبي الليث الليبي وعطية الله وغيرهم من رموز قاعدة الجهاد، بل أنه لا فرق بين العبسي ودوكو عموروف وأبو حمزة المهاجر والبغدادي وأبو سياف والملا محمد عمر وغيرهم من قادة الجهاد العالمي، ومن يعتقد بأن الظواهري سرق التنظيم فعليه أن يعتقد أيضا أن أنه سرق كل هؤلاء.

2)فشل المراهنة على وفاة الرجل

لما غاب بن لادن عن الواجهة الإعلامية ساد الأنصار والمراقبين وأجهزة الأمن في العالم والمتربصين اعتقاد بأن الشيخ ربما يكون قد قضى نحبه وفاة أو اغتيالا، وفي المقابل تَصدَّر الظواهري متابعة الأحداث والتعليق عليها وبيان المواقف، وصب جام غضبه على حركة حماس والإخوان المسلمين و"علماء السوء"و"تجار الدين"والعلمانيين وأنظمة الحكم العربية وغيرها دون أن يترك صغيرة أو كبيرة، غير أن تدخلات الرجل أثارت حفيظة خصومه التقليدين وغيرهم. وفي خضم الأحداث التي عصفت في المشروع الجهادي طالبت بعض القوى الجهادية كالجيش الإسلامي والشيخ حارث الضاري وحتى حركة حماس وغيرهم الكثير بتدخل الشيخ أسامة لحسم الخلافات مع القاعدة أو مع دولة العراق الإسلامية قناعة منهم بأن الرجل أليَن قولا وأيسر طريقة وأرحم بالمسلمين وبدمائهم وممتلكاتهم. والمفارقة أن بعضهم راهن على خلاف مع الظواهري وبالتالي تمايزا عنه في الموقف، وبعضهم الآخر راهن على وفاة الرجل فمضى في عداء سافر، ومع أن محاولات التمييز استمرت حتى بعد ظهور بن لادن إلا أن الخطاب موضع النظر خيب آمال المراهنين. فالموقف من حماس لم يتغير ولو أنه جاء أقل حدة، والموقف من الحزب الإسلامي وزعيمه ومن يدور في فلكه لا يخرج بتاتا عن تقييم وموقف دولة العراق الإسلامية وقادتها، والموقف من الدولة والانتصار لها تطابق بالكامل مع مواقف كافة رموز القاعدة، وكذا الموقف فيما يتعلق بحزب الله، وقس على ذلك بقية المواقف من القضايا الأخرى.

3)فشل المراهنة على صمت بن لادن فيما يتعلق بدولة العراق

كل التحليلات والتأويلات ركنت إلى افتراض بأن بن لادن لن يتطرق إلى دولة العراق الإسلامية إيجابا باعتبارها مثار خلافات شديدة بين الجماعات الجهادية والدولة. وهذا معطى كاف لِأنْ يحجم الرجل عن الإدلاء برأيه فيما هو مثار فرقة خاصة وأن القوى والجماعات والشخصيات زكّته ليكون حَكَما بينها. بل أن بعضها أوَّل خطابه حول"أهل العراق"وذهب به مذاهب شتى كالزعم بأنه اعترف بأخطاء القاعدة في العراق بمنآى عن الجماعات الأخرى أو أنه لم يعترف بدولة العراق الإسلامية بدليل أنه لم يأت على ذكرها، أو أنه تجاهل حتى أي ذكر لقادة القاعدة ومن بعدهم دولة العراق الإسلامية، وأن مثل هذه التأويلات بعد الغياب الطويل مع تكرر ثلاث خطابات سابقة على خطابه الحالي خلّفت انطباعا بأن الرجل فعلا يبدو أبعد ما يكون عن التصدي لموضوع هو مثار الخلاف الأول حتى أن المتحدث باسم الجيش الإسلامي د. إبراهيم الشمري مضى أبعد من الركون إلى مطالبة الشيخ أن يستبرئ لدينه وتاريخه من ممارسات القاعدة في العراق فإذا برياح السياسة الشرعية تأتي بعكس ما تشتهي أشرعة المراهنات على الأوهام. فالسلفية الجهادية بعكس ما دونها من الجماعات السياسية لا يمكن لها أن تخضع لسطوة السياسي أو الوطني على حساب التشريع الديني والاجتهاد الفقهي لأنها ببساطة جماعة دينية، ولو كانت دون ذلك لما اضطر بن لادن للرد على الطعون التي رُمي بها إعلان دولة العراق الإسلامية ولسقطت عنها صفة الجماعة الدينية الساعية إلى تحكيم الشريعة واستعادة الخلافة كنظام للحكم بديلا عن الأنظمة القائمة.

لهذا نجد أنفسنا مضطرين المرة تلو المرة إلى التأكيد بأن خطابات تيار الجهاد العالمي لا تخضع إلا للحكم الشرعي أيا كانت النتائج، ولا تلتزم بغير السياسة الشرعية كموجه لفعالياتها، ولا مفر من التعامل مع هذه الحقيقة التي يصر الكثير على تغييبها إما قصدا أو جهلا. فالقاعدة أو طالبان أو إمارة الشيشان أو دولة العراق أو فتح الإسلام وغيرها من تيارات الجهاد العالمي ليست تنظيمات سياسية وطنية بحيث يمكن أن تشهد انقسامات أو تعدد في الرؤى والأطروحات على خلفية المشاريع السياسية، فالقائد العسكري لطالبان حاجي منصور أقيل من منصبه لـ"عدم الطاعة"ولم يشفع له جهاده ولا استشهاد أخيه الملا داد الله، والبغدادي عزل القاضي الشرعي للدولة من منصبه"بناءً على مقتضيات المصلحة الشرعية"وليس لخلافات تنظيمية أو سياسية أو شخصية.

بقي أن نقول أن مسألة التوحد ستظهر تداعياتها في الأيام القادمة ولو أننا نلحظ مؤشرات تستخدم للمرة الأولى في بيانات بعض الجماعات الجهادية المخالفة لا ينبغي المرور عليها مرور الكرام خاصة في بيان انسحاب جيش الفاتحين من جبهة الجهاد والإصلاح، فالأمل بالوصول إلى"عام الجماعة"كما ورد في بيان الجيش لم يتحقق في إطار الجبهة فهل يتحقق في أطر أخرى؟ سؤال مهم، لكن الأهم أن خطاب بن لادن أثبت أن مراجعات الشيخ سيد إمام لم تكن آخر الكلام كما أراد لها مروجوها أن تكون.

نشرت بتاريخ 02 - 03 - 2009

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت