د. أكرم حجازي
رغم كثرة الأسلحة التي خلفها الجيش العراقي إبان احتلال البلاد أبى المجاهدون إلا أن تكون لهم خصوصيتهم في التصنيع العسكري من جهة وفي التكتيكات الحربية التي يستعملونها من جهة ثانية في شن هجماتهم على القوات الأمريكية خاصة والقوى العميلة عامة. ولعل أطرف ما في أمر الجهاد في العراق هو ما تقوم به وحدات التصنيع العسكري، فالأسلحة المصنعة تتراوح ما بين راجمات الصواريخ متعددة الفوهات أو القواذف ذات الفوهة الواحدة والمصنوعة من أنابيب عادية ليس فيها أية تكنولوجيا تذكر حتى في طرق إطلاقها الغارقة في البدائية. وقد يتساءل المراقب ويعجب في كثير من الأحايين من التساؤل نفسه: هل ثمة ندرة في الحصول على الأسلحة الحديثة؟ وهل يعاني المجاهدون من الحصول على السلاح فعلا؟
لا شك أن الحسم في الإجابة بنعم هو اختيار قد يبدو مشروعا إزاء الاستخدام المكثف للتقنيات البدائية في المواجهات الدامية مع قوات الاحتلال، لكن المسائل العسكرية وخاصة تصنيع الأسلحة أو الحصول عليها تعتبر من المسائل الأمنية البالغة السرية، وبالتأكيد فإن الاطلاع عليها أو الكلام فيها على الهواء ليس أمرا محمودا، وعليه فالإجابة بنوع من الـ"لعم"أجدى وأنفع في التحليل خاصة مع توفر قرائن دالة على تطوير المجاهدين لأسلحة فتاكة.
ولعل الحديث عن موضوع تسلح المجاهدين من شأنه إثارة المجاهدين أنفسهم عن الجدوى من الكتابة فيه خاصة وأنه من المواضيع الحساسة، والصحيح أن الكتابة فيه لا تتعدى محاولة البحث عن أجوبة لتساؤلات أثارتها بعض الإصدارات التي نشرتها دولة العراق الإسلامية حول اقتنائها لبعض الأسلحة المميزة، وكذا لأخبار تناقلتها وسائل الإعلام عن تطور الصناعة الحربية لدى دولة العراق، وأخرى كشفت عنها وقائع الحرب الضروس الجارية في محافظتي ديالى وبغداد على الخصوص والتي كبدت الأمريكيين والقوات الحكومية خسائر فادحة.
ففي الخامس من شهر أيار / مايو تناقلت وسائل الإعلام نبأ طريفا عن إطلاق دولة العراق الإسلامية لطائرة صغيرة تعمل بالتحكم عن بعد حلقت فوق مقر الاتحاد الوطني الكردستاني في محافظة السليمانية، الأمر الذي اعتبره البعض تطورا استراتيجيا غير مسبوق في أداء المجاهدين، أما القوات الكردية التي أحبطت الهجوم فقد علقت مصادرها السياسية على الحدث بنوع من الذهول معبرة"عن مخاوف عميقة من التطور التكنولوجي والتقني في الأسلحة التي تستخدمها القاعدة في العراق". وبطبيعة الحال لم تتوقف وسائل الإعلام كثيرا عند الحدث المثير هذا ولكن من المؤكد أن الاستخبارات العسكرية الأمريكية والغربية وحتى المحلية والإقليمية قد هالها هذا التطور لما ينطوي عليه من كوارث في المستقبل ليس بسبب الطائرة بقدر ما هو في حيثيات الحدث من ألفه إلى يائه.
والسؤال هو: هل دولة العراق هي فعلا من أطلق الطائرة؟ ثم من أين أطلقت؟ وكيف اتجهت في الأجواء ووصلت إلى مقر الاتحاد الوطني الكردستاني؟ وأين كانت الدفاعات الأمريكية عنها قبل أن تصل إلى هدفها؟ وكيف تمت مراقبتها من مطلقيها؟ ولماذا أسقطت لحظة الوصول إلى الهدف؟ وهل هي صناعة محلية؟ وهل دولة العراق هي من صنعها؟ أم أنها حصلت عليها من جهة ما؟ وإذا كانت هي من أنتج الطائرة فهل من الصعب توقع طائرات جديدة وأسلحة جديدة لم تظهر بعد؟ في الحقيقة لم نقع على بيان من الدولة ينفي أو يؤكد الحادثة ولسنا ندري إن كان تقصيرا منا أو هو حقيقة، ولكن لو افترضنا أن الحادثة فبركة من أكراد الطالباني والبرازاني أو حتى القوات الأمريكية؛ وهو حتما لصالح المجاهدين؛ فلمصلحة من يذاع خبرا من هذا النوع لو كان ملفقا؟ ومع ذلك فهل الطائرة هي السلاح الوحيد بيد القاعدة؟
في صبيحة يوم الأربعاء 30 مايو 2007 م بثت مؤسسة الفرقان شريطا مصورا من 19 دقيقة أصدرته دولة العراق الإسلامية تعلن فيه عن تأسيسها لمقاتلين من نوع جديد يحملون اسم"كتائب الحراري". وقالت الأنباء أن هؤلاء يتكونون من مجموعات منتشرة في أنحاء مختلفة من العراق، وأن كل واحدة منها تتكون من ثلاثة إلى خمسة أفراد يتربصون بعربات الهمفي وهي تقطع الشوارع بسرعة فائقة قبل أن تتعرض للرماية من المهاجمين بواسطة قنابل حرارية روسية الصنع من نوع RKG-3. وبحق، فقد كان الشريط مثيرا وممتعا للغاية خاصة وأننا تشاهد هجمات تتسم بالشجاعة الفائقة والجرأة وهي تصفع العربات الأمريكية بالقنابل غير آبهة بأية عواقب تذكر!
ولكن مع التدقيق في الشريط تبين أنه أنتج قبل نحو ثمانية شهور بحسب التاريخ الظاهر عليه، الأمر الذي يؤشر على أن الكتائب المعلن عنها كانت في طور التشكيل والتدريب في الفترة ما بين إنتاج الشريط والإعلان عنها بدليل أن بعض الهجمات كانت تخطئ أهدافها، بل أن الشريط ذاته أنتج خلال عمليات التدريب الميداني ذاتها مما يعني أن الأداء بالقطع تحسن خلال هذه الفترة. أما المنظر الأطرف في الشريط على الإطلاق، والذي يثير الإعجاب حقا، فهو المتعلق بالأداء العالي لفرق العمل وليس للمهاجمين فقط، إذ نلاحظ ثلاثة أفراد مهمتهم التربص بالهدف والهجوم عليه، وخلفهم سيارتين أو ثلاثة أو أكثر يشغلها عدد من الشبان يبدون كالباعة في الأسواق أو الحمالين وهم منهمكين في أعمالهم كما لو أنهم لا علاقة لهم بما يجري على الإطلاق في حين أن عملهم على الأرجح هو التمويه والحماية والنقل وتغطية المكان أمنيا بالكامل بحيث استحقوا فعلا توصيفهم بـ"كتائب الحراري"خاصة وأنهم بدوا كمن ينجز مهمته على أكمل وجه بتناسق سيمفوني غالبا ما دفع المشاهد للشريط إلى الاستغراق بالضحك وهو يراقب المشهد ويرى القنابل فجأة ودون سابق إنذار تنهال على أهدافها وهي تصيب تارة وتخطئ أخرى.
أما الملفت في الشريط فهو السؤال عن مصدر القنابل. فمن الذي زود دولة العراق بها؟ وبالرغم من أن بعض الشبكات الجهادية قامت بنشر روابط لطرق التصنيع إلا أن البعض الآخر يرى أن الروس دخلوا على خط الجهاد في العراق لحسابات خاصة بهم. ومع أن مثل هذا الأمر غير مؤكد إلا أنه في ذات الوقت غير مستبعد مثلما أن تصنيع القنابل لا يبدو عصيا على المجاهدين لاسيما وأن طرق التصنيع متاحة على الانترنت.
في 28 و 29 من شهر حزيران / يونيو الماضي تعرضت القوات الأمريكية لضربات مميتة في قاطع بغداد حيث فقدت عشرات الجنود قتلى وجرحى بفعل انفجارات قوية جدا وغير معهودة تسببت في قلب دبابة ضخمة من نوع أبرامز أعدت أصلا لخوض حرب نووية وكذا عربة برادلي المصفحة تصفيحا قويا. وفي بيان لدولة العراق الإسلامية كشف النقاب فيه عن نوع من المتفجرات الشديدة جدا استعملت في قتل الجنود، وأشار البيان إلى متفجرات فتاكة صنعت من مواد شديدة الانفجار. وبعد تكرار مثل هذه التفجيرات خلص العسكريون الأمريكيون، بحسب تقارير النيويورك تايمز، إلى نتيجة مفادها أن ظاهرة تسليحية أمكن ملاحظتها لدى المجاهدين الذين فتحوا جبهة جديدة من متفجرات لم يتم التعرف عليها وهي شبيهة بـ"القنابل المخصبة"من حيث فاعليتها، بل أن التسمية الشائعة التي أطلقت عليها هي"القنابل الدفينة"والتي يصعب اكتشافها. فالضربة التي تبنتها دولة العراق الإسلامية وأسفرت عن مقتل خمسة جنود أمريكيين (28/ 6) وإصابة سبعة آخرين ومقتل مترجم كانت هي الأعنف من حيث نوعية الهجوم والسلاح المستخدم.
ومن جانبه عقب كبير قادة القوات العسكرية في بغداد الجنرال جوزيف فيل على هجوم الخميس بالقول أنه:"كان عنيفًا جدًا، وقد اعتقدنا أنه هجوم يستعرض مستوى التطور والتعقيد في العمل الإرهابي مما لم نره حتى الآن في هذه الحملة". أما صحيفة النيويورك تايمز فقد أكدت من جهتها نقلا عن القائد العسكري في منطقة الدورة حيث وقع الهجوم:"أن الهجوم بدأ بقنبلة واحدة مدفونة عميقًا في الأرض، وشكلت التفجيرات صدمة هائلة جدًا بحيث اعتقد الجنود أنها كانت بسبب انفجار عدة سيارات مفخخة". وتعليقًا على هذا النوع من الهجمات يقول الجنرال فيل:"إننا نجابه عدوًا ماهرًا ومصممًا على القتال"، واصفًا المجاهدين بـ:"إنهم مقاتلون يتميزون بتشديد ضغطهم على القوات الأميركية من خلال تعزيز جهدهم العددي والتسليحي وباستخدام أساليب عنيفة جدًا".
بطبيعة الحال فالتصريحات الأمريكية تتحدث عن نوع جديد من المتفجرات شديدة التأثير والخطورة خاصة وأنهم يواجهون كابوسا آخر محيطا بهم من كل جانب في العبوات الناسفة التقليدية كأقوى سلاح بيد المجاهدين، وينقل بعض شهود العيان من مواقع القتال عن جحيم يتربص بالقوات الأمريكية وحلفائها اسمه العبوات الناسفة والمفخخات التي يزرعها المجاهدون دون أن تبعد الواحدة عن الأخرى بضعة أمتار، بل أن الأمر يتجاوز هذا الحد إلى درجة زرع أكثر من عبوة للأرتال الأمريكية بطريقة مموهة وخادعة وانتظار الانقضاض عليها.
أما الجديد في الأسلحة المستعملة من قبل المجاهدين فهو سلاح الاستخبارات الذي ظهر أوضح ما يكون في المواجهات الجارية منذ بضعة أسابيع، ولعل ضربة فندق المنصور في بغداد والذي ذهب ضحيتها خمسة من شيوخ العشائر كانت الحدث الأكثر دلالة خاصة وأن بيان دولة العراق الإسلامية استدلت بمعلومات أمنية في نجاح الضربة التي كان من بين ضحاياها فصال القعود محافظ الأنبار السابق، بالإضافة إلى ضربة أخرى استهدفت إحدى نقاط السيطرة بعد أن اعتدى بعض أفرادها على مواطنين من أهل السنة، وأهابت البيانات بالأهالي تزويد الدولة على الفور بأية معلومات عن اعتداءات أخلاقية أو قتل يتعرض لها أهل السنة من قبل القوات الحكومية للاقتصاص منها.
هذه نماذج من أسلحة طورها المجاهدون لم يعد مجديا تجاهل أثرها ولا التكتم على فاعليتها، فالبيانات التي تصدرها دولة العراق الإسلامية محملة بالخسائر الأمريكية الفادحة في المواجهات الجارية منذ بضعة شهور يقع تجاهل أغلبها من قبل وسائل الإعلام في وقت تثبت الوقائع الحربية وتصريحات العسكريين الأمريكيين ووسائل إعلامهم صحة ما يرد فيها. بل أن عنف المواجهات في ديالى وبغداد والأعظمية والموصل وصلاح الدين ونينوى بلغ صداها مبلغا يستحيل معه غض الطرف عن نتائجها وبيان حقيقتها. ولعل ما يجري في هذه المحافظات والمناطق يكشف عن استخدام هائل للقوة من الطرفين الأمريكي والمجاهدين، فالبيانات تحفل أيضا بتدمير للآليات والعربات المصفحة وإسقاط للطائرات المروحية والاستطلاعية وتدمير لكاسحات الألغام واقتحام للمقرات والثكنات العسكرية وحتى للفنادق وتربص بالعملاء من قبل القناصين وهجمات مكثفة للاستشهاديين أسفرت عن عشرات القتلى ومئات الجرحى.
أما الأمريكيين فلم يقصروا من جانبهم في الإعلان عن التذمر والشكوى من تطور أسلحة المجاهدين وأساليب قتالهم وعنادهم وتصميمهم على المواجهة لدرجة أن مراقبين في واشنطن"أشفقوا على حال الجنرال فيل وهو يتحدث بطريقة يائسة ومفجوعة، لكنهم يشعرون بأنّ الرجل يعترف بالحقائق التي يراها على الأرض"، فما كان منهم إلا أن أثنوا على شجاعته، فرغم"إنّه يخالف بذلك اللغة العسكرية المتغطرسة التي غالبًا ما يتحدث بها القادة العسكريون الأميركان"إلا أنه لم يكابر بتلفيق الأكاذيب في حين لا تخجل الكثير من وسائل الإعلام العربية، وهي تتكتم على الأحداث، من إغداق الثناء على الأمريكيين وتبرئتهم بلا مقابل! فلا أدري، مثلا، ما الذي يمنع النائب قرخي نجم الدين وهو في قلب المنطقة الخضراء من اتهام لاعبين كبار يقفون خلف التفجيرات ولا يتهم القاعدة في حين لا يتورع صحفي في فضائية عربية من التذكير، في تقريره، بأن التفجيرات في الأسواق جاءت بعد تهديدات القاعدة وهو ما لم يصرح به، على الأقل في هذا الأيام، أحد غيره؟
ومن الواضح أن تصدي المجاهدين لحملات القوات الأمريكية لم يعد هدفا بحد ذاته بقدر ما يبدو أيضا نوعا من التحدي وإيقاعا لأكبر قدر ممكن من الخسائر، وليس غريبا أن تكون الهجمات الأمريكية المتوالية والشاملة قد لاقت قبولا من قبل المجاهدين الذي شعروا على ما يبدو بأن وقت الحصاد قد حان مع حلول شمس الصيف الحارقة وأن هذا هو الوقت المناسب أيضا لاستخدام المزيد من الأسلحة المفاجئة والتكتيكات الجديدة، وهو إن دل على شيء فليس أقله شراسة المواجهة بأقصى حالاتها، حتى أن متابعة البيانات العسكرية من الطرفين بات أمرا غير يسير.
نشرت بتاريخ 28 - 02 - 2009