فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 167

د. أكرم حجازي

هكذا إذن وضعت واحدة من أشد الحروب وحشية ضد الإنسانية أوزارها، حرب لا يمكن المرور عليها مر الكرام، فهي غريبة وعجيبة ودموية ومباغتة ومدهشة، هي حرب ينبغي التوقف فيها عند كل صغيرة وكبيرة. فللعسكري فيها رأي وللإعلامي رأي وللباحث رأي وللجندي رأي ولكل ذي شأن فيها شأن ولا يتسع المجال لذكر كل شيء وليس من حق أي كان أن يزعم منفردا أنه أحاط بها. ولكننا في هذه المقالة، ومن وجهة نظر موضوعية لا عقدية، سنكتب عن الانطباعات الحاسمة والتي هيمنت على العقل العربي تحديدا دون غيره في عدة مواضع نعتقد أنها تمثل جواهر تستحق النظر والتقييم.

في المشهد السياسي ثمة نقطتين في المشهد السياسي للحرب تثيران الدهشة، الأول ظهرت فيه إسرائيل أداة صرفة بيد الولايات المتحدة الأمريكية التي كلفتها بخوض حرب بالوكالة للمرة الأولى وبصورة فجة تحت غطاء سياسي شامل وبصلاحيات واسعة شلت كل حركة سياسية لكافة المؤسسات الدولية وللمنظمات الحكومية وغير الحكومية وحتى للحكومات بما فيها حكومة إسرائيل التي خضعت بالكامل لسيطرة الجيش وتوجيهاته، هي حرب منعت فيها الولايات المتحدة مجلس الأمن من الانعقاد أو طلب وقف إطلاق النار أو إدانة العدوان كما منعت الأمين العام للأمم المتحدة من التدخل، بل ومنحت إسرائيل الفرصة تلو الفرصة لإطالة أمد الحرب ووقفت وحدها ضد العالم شاء من شاء وأبى من أبى.

وراحت وزيرة الخارجية كونداليزا رايس تكشف عن أهداف الحرب الحقيقية وهي ولادة الشرق الأوسط الجديد وتشكيله على الهوى الأمريكي فظهرت الخريطة الشهيرة ثم بعد بضعة أيام سربت خمسة خرائط أخرى كلها تشتمل على تغييرات جيوبولوتيكية للمنطقة، ولتبرير الحرب وتشريعها وتهدئة خواطر المحرجين والمعارضين والساعين إلى تخفيف حدة الحرب التي اشتهرت بالحرب المجنونة قالت رايس بأن هذه الآلام هي آلام المخاض العسير للولادة، وكان من الممكن أن يكون كلام الوزيرة معقولا لولا أنها لم تتزوج ولم تنجب في يوم ما لتتذوق طعم المخاض فصرحت بما لا تدري به وما لم تشعر بآلامه وتبين فيما بعد أنها تعاني من حمل كاذب. ولأنه كذلك فعلا وحقيقة على خلفية المفاجئات الصاعقة التي أوقعها حزب الله في الميدان فقد امتنعت عن زيارة لبنان وباتت على قناعة بضرورة وقف القتال بعد هزيمة الجيش الإسرائيلي، فأوفدت نائبها لشؤون الشرق الأوسط ديفيد وولش الذي كان يصل في جولات مكوكية وهو متجهم الوجه يغشيه الخزي والشعور بالذل والعار والفشل لاسيما بعد التوافق الأمريكي الفرنسي على مشروع قرار كان من المألوف أن يمر وبالشروط الأمريكية والإسرائيلية كما تعود العرب على ذلك منذ عشرات السنين ولكنه لم يستطع تمريره بصيغته على الإطلاق وهي سابقة لم يشهد العرب مثيلا لها.

أما النقطة الثانية فهي الموقف العربي الذي أفصحت عنه السعودية عبر تصريح مصدر مسؤول فيها والذي تضمن إدانة واضحة لحزب الله وتحميله مسؤولية ما أسماه المصدر بمغامرات غير محسوبة، هذا الموقف فسح المجال لدول أخرى تقيم علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل خاصة الأردن ومصر لتعبران بوضوح عن تبني ذات الموقف. والحقيقة أن حزب الله كان كبش فداء لضرب عقلية المقاومة وإرادتها في الصميم والتخلي عن مشاريع من هذا النوع بحجة أن ضررها أكبر من نفعها. وقد تبع الموقف العربي ترحيبا أمريكيا وإسرائيليا لدرجة أن الصحف الإسرائيلية باتت تتحدث عن تلقي الحكومة بيانات وبرقيات تضامن وتعاطف من زعماء عرب ومثقفين وصحفيين ورجال دين ومسؤولين يطالبون إسرائيل بإكمال المهمة التي بدأتها والتخلص من حزب الله وغيره من قوى المقاومة، ولما سئل وزير الخارجية القطري عن صحة مراسلات التضامن العربية هذه مع حكومة إسرائيل في حربها على لبنان أجاب:"للأسف نعم". وتشجع أولمرت أكثر معلنا أمام جمهوره:"بأننا نقاتلهم اليوم بقرار عربي"، أما الرئيس المصري فلم يجد حرجا من القول:"أن مصر ليست مستعدة لخوض حرب للدفاع عن لبنان، ذلك أن زمن المغامرات انتهى"! وأمعن وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل من جهته بالقول:"ليس لدينا ما نعتذر عنه في لبنان".

ولكن كلما اشتدت وطأة الحرب وتجلت خسائر إسرائيل بالعشرات من جنودها ودباباتها وآلياتها فضلا عن قصف مدنها ومستعمراتها كلما انزوى الموقف العربي مصابا بحالة من الذهول ومظهرا لبعض التململ، حتى كان عمرو موسى الزعيم العربي الوحيد الذي أخذ على عاتقه قيادة الديبلوماسية العربية محاولا إنقاذ ما يمكن إنقاذه بدعم من الموقف القطري الذي تميز بحق عن المواقف العربية الأخرى في إشارته الصريحة بأن الغريب في الموقف العربي ليس في تخاذله بل في إعطائه الموافقة على الحرب وتقديم الغطاء السياسي لها وهي سابقة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني لم تحدث من قبل، فالتواطؤ المذموم انحدر إلى غطاء لتشريع حرب عدوانية ظالمة لم يكن لها ما يبررها إلا الحقد والانتقام، حتى أن الشارع العربي الذي لطالما استنكر ما أسماه طويلا بالصمت العربي المريب نراه اليوم يصاب بنوع من الصدمة من الموقف العربي ومتمنيا لو أنه صمت أبد الدهر.

أما المشهد الحربي فيذكرنا بخمسة حروب خاضها العرب ثلاثة منها نظامية ودفاعية ضد إسرائيل والرابعة هي حرب تشرين الهجومية والخامسة هي حرب دفاعية خاضتها منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1982 في لبنان. وفي جواهر هذه الحروب لم يحقق العرب نصرا يعتد به ناهيك عن أن يكون حاسما. ففي حرب فلسطين انهزم العرب شر هزيمة وضاعت فلسطين، وفي حرب السويس1956 فشل العدوان الثلاثي بتدخل الاتحاد السوفياتي، وفي حرب العام 1967 استولت إسرائيل على ما تبقى من فلسطين واحتلت أجزاء من أراضي عربية في مصر والأردن وسوريا، وفي حرب تشرين/أكتوبر1973 لم يحقق العرب إنجازا يذكر على صعيد تحرير الأراضي التي احتلت عام 1967، وفي عام 1982 فشلت منظمة التحرير في الدفاع عن لبنان وشتت قواتها في بلدان العالم العربي.

وفي الحرب السادسة بين إسرائيل وحزب الله فما من شك أن ملامح الحرب منذ الأيام الأولى كانت تشير إلى هزيمة عسكرية ساحقة بانتظار إسرائيل وهو ما حصل فعلا. وفي واقع الأمر فالحرب أحدثت مفاجأة مذهلة وغير مسبوقة. فكيف أديرت هذه الحرب من قبل الجانبين؟

من جهة إسرائيل، فقد كانت حربا ضد حزب الله وضد بنيته التحتية وضد وجوده العسكري والتنظيمي وضد المجتمع اللبناني برمته من مساكن وبنى تحتية وضد البنى التقنية واللوجستية وضد السكان بمحتلف فئاتهم العمرية لاسيما الأطفال منهم وضد القوى العاملة وضد طرق ومنافذ التواصل والمواصلات وضد النازحين والمهجرين وضد طواقم وجمعيات ومؤسسات الإغاثة والعون وضد قرى وأحياء بكاملها. واستعملت إسرائيل لتحقيق ذلك كل ترسانتها الحربية المرعبة وضربت دونما تمييز كل شيء بعيدا عن لغة الأهداف العسكرية أو المدنية ناهيك عن الأهداف السياسية للحرب كأكذوبة الجنديين الأسيرين، ونفذت مجازر بالجملة ضد المدنيين بسبب وبدون سبب، بل أن طائراتها ودباباتها ترصدت المدنيين بصورة جماعية مقصودة بما في ذلك قوافل الإغاثة والقوافل التي تحركت بموافقتها وبضمانات دولية، وأمرت بقتل كل من يتحرك على الطرقات والحدود هربا من جحيم الحرب، وظلت على عادتها الدموية بقتل السكان حتى آخر لحظة من تطبيق قرار مجلس الأمن بوقف العمليات القتالية، وانكشفت أكاذيبها الواحدة تلو الأخرى غير عابئة ولا آبهة بأية شريعة أو مبدأ حتى بدت الحرب واحدة من أعتى الحروب وحشية وجنونا ليس لها من هدف إلا القتل والإمعان في القتل. هذه هي إسرائيل التي خلفت بحروبها وجرائمها ثأرا لدى كل مواطن. وهذه هي إسرائيل دولة القتل من الدرجة الأولى.

أما على الجانب الآخر فقد تناقلت الصحف الأمريكية والأوروبية، في الأيام الأولى، تحليلا عسكريا خلص إلى نتيجة حاسمة مؤداها أن حزب الله يستعمل تكتيكات قوات الفيتكونغ الفيتنامية في حربه ضد القوات الإسرائيلية، بيد أن الخبر مر دون كبير اهتمام من العسكريين العرب والمحللين الذين لم يعتادوا أصلا على حروب من هذا النوع ولم يألفوها وليست لديهم خبرة تذكر في هذا الصدد ولا حتى للفلسطينيين الذين تغنوا دائما بالتجارب الفيتنامية والكورية والصينية والكوبية في هزيمة القوى النظامية الكبرى ولكنهم لم يفعلوا ذلك.

في الأيام الأولى أيضا استعجب الصحفيون والمراسلون من الحرب، فمن أندر النوادر أن شاهد أحدهم مقاتلا من حزب الله، وفي الحقيقة لم يشاهد أيا منهم مقاتلا يتحرك على طريق ولم يلمح أحدهم مقاتلا على جبهة ولم ترصد أية فضائية مكان انطلاق صواريخ حزب الله ولا تحرك لآلية أو لناقلات جند أو أسلحة، فأية حرب هذه؟ وأين هم مقاتلو حزب الله؟

كنا نسمع ونقرأ عن مساحة شبكات الأنفاق التي أقامها الثوار الآسيويون تحت الأرض وملؤوها بالأسلحة والمواد الغذائية والطبية واستعملوها كممرات وطرق استراتيجية لتحركاتهم، كنا نسمع الكثير ولكننا لم نطبق شيء من ذلك على الإطلاق وما حصل في الحرب السادسة أن حزب الله قاتل تحت الأرض وليس فوقها وهذا ما فاجأ قادة إسرائيل وجنرالاتها الذين صرخوا بأعلى أصواتهم وأصيب قائد جيشهم بأزمة نفسية:"لقد فاجئونا"،"كأننا نقاتل الجن"،"ليظهروا كي تكون حربا عادلة". وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار مساحة لبنان ومساحة المواجهة في الجنوب فلا شك أن وقْع مفاجأة حزب الله بالصمود والقتال والدفاع والهجوم قد بلغت شظاياها كل عسكري من الجندي وحتى وزير الدفاع، وكل مقاوم وكل محلل وكل استراتيجي عربي أو غير عربي. فقد اعتاد العرب حكومات وجنرالات وحركات تحرر على الهزائم، وبرعوا في تبريرها وتسويقها على أنها خسارة معركة وليس خسارة حرب، وفي كل مرة كنا ندفع الثمن في الأرض والدم والحرية والقهر والإذلال والحقوق حتى غدت أقدس قضايانا لا تساوي ثمن رغيف خبز، بل أن مخيلتنا لم تعد تتسع لنصر بقدر ما باتت تتسع لهزائم منكرة وإهانات بالجملة وتراجعات لا حدود لها بما في ذلك العمالة في صف القيادات والخيانة العظمى على مستوى الأوطان. ولكن كيف تجاوز حزب الله كل الهزائم العربية واستطاع أن يلحق هزيمته المشهودة بإسرائيل؟

• العلم هو الذي انتصر. لا شك أن حزب الله راهن على العلم والعمل الدؤوب فأنشأ مراكز الأبحاث والترجمة والرصد والمتابعة والتحليل والتعقيب واستخلاص العبر وإيجاد الحلول والبدائل وخصص فرقا لعمله ودرب جنده وبنى كوادره على العلم والمعرفة الذي هو سلاح العصر ولم يخض مع نفسه أو غيره مماحكات الأيديولوجيا والسياسة والمكابرة والخوف والريبة، ولم تأخذه العزة بالإثم ولم يقلل من شأن عدوه ولم يغتر بنفسه. بل أنه أقام مصانع السلاح والذخيرة وطور ترسانة ردع عسكرية أثبتت فاعليتها في الميدان، ومن المؤكد أن حساباته تجاوزت أي حظر محتمل للتسلح، فإذا كانت الولايات المتحدة وبعض العرب والنخب المثقفة وغيرها تحتج بأن إيران هي التي سلحت حزب الله ودعمته، وهذا صحيح ولكن بحدود، وأنه لولاها لما كانت لحزب الله هذه السطوة، فمن الأجدر سؤال هؤلاء لاسيما الدول العربية بالذات عن مبرر تحالفاتها السابقة مع الاتحاد السوفياتي أو مع الغرب حاليا؟ فلماذا تبدو إيران وحزب الله قويان في مواجهة إسرائيل فيما تبدو الدول العربية مجتمعة ضعيفة عاجزة ومنهكة أمام أصغر دولة أوروبية؟ ولماذا تكتسح البطالة علماءنا وخريجينا ومثقفينا وتبدو أغلب الدول العربية متسولة في اعتمادها على السياحة والأمن والاستقرار كالمضبوعة لا تقوى على إدانة جريمة؟ فأي علم يسود في الدول العربية؟ ولأية أهداف يوظف؟

• الإرادة السياسية. فقد أثبتت الحرب أن لحزب الله قيادة تتمتع بإرادة سياسية صلبة تقف بعزم وثبات في مواجهة الخصم وتصمم على خوض مواجهة شاملة إذا ما وقعت وهي مسلحة ببناء عقدي لا يقبل المساومات ولا المراوغات ولا الكذب ولا التزوير ولا التخاذل ولا التواطؤ. وأن مثل هذه القيادة والإرادة قادرة بما لا يدع مجالا للشك على الدفاع عن البلاد والعباد وإن بقليل أو بكثير من الخسائر المؤقتة. إرادة مسلحة بقوة ضاربة أعدت إعدادا استراتيجيا صارما على كافة وأعلى المستويات الأمنية والعسكرية والتدريبية والتسلحية، وهي إرادة سياسية ذات أهداف سياسية وطنية واضحة ومشروعة ينبغي بلوغها أيا كانت النتائج.

هكذا إذن استطاع حزب الله بفرادة قتاله واستراتيجياته أن يلحق بإسرائيل هزيمة عسكرية منكرة، فقد أمطر مدنها ومستعمراتها ومنشآتها وقواعدها العسكرية بآلاف الصواريخ، وأوقع قواتها بعشرات الكمائن وحاصرها في عديد المواقع وأهان بحريتها وحطم كبريائها وطحن ما تبقى لديها من هيبة الردع والتخويف المزعومتين، ولاحق الساسة في العالم العربي والأوروبي والأمريكي فخرب مخططاتهم السياسية والأمنية للمنطقة وأظهر إسرائيل أنها نمر من ورق لو جدت من يعد لها ويقاتلها. لقد أثبت حزب الله أنه أقوى من مجموع الجيوش العربية قاطبة وأنه فرض طرح السؤال الكبير: ماذا لو توفر للساسة العرب إرادة سياسية وتبنوا حربا ضد إسرائيل على شاكلة حرب العصابات على الأقل وطبقت تجربة حزب الله بإقامة شبكات الأنفاق والتحصينات الدفاعية والهجومية واصطفت راجمات الصواريخ وانتشر المقاتلون على طول الحدود مع إسرائيل، فهل تستطيع إسرائيل الصمود؟ وهل ستنجو مستعمرة أو مدينة من القصف؟ وهل سيبقى العرب هم النازحون والمهجرون والمقتولون والمدمرة بيوتهم وحدهم دون إسرائيل؟ بل هل يبقى من مبرر لوجود إسرائيل؟ ولعصابات القتل فيها؟

• السرية والأمن. تميز البناء اللوجستي لحزب الله بقدرته الهائلة على إخفائه لكافة المظاهر العسكرية له عن أعين المجتمع المدني، وأقام دفاعاته وتحصيناته بسرية مدهشة، وهي تجربة تستحق الدراسة بامتياز، إذ أن التحصينات الاستراتيجية والعمل بها ونقل العتاد والأسلحة والمنظومات الصاروخية وتحرك الشاحنات والآليات من شأنها أن تثير ريبة العملاء وعيون العدو وأجهزة الاستخبارات المنتشرة هنا وهناك فضلا عن التجسس الجوي والفضائي، وهو ما يثير ألف سؤال وسؤال: كيف استطاع حزب الله القيام بهذا العمل في فترة وجيزة؟ وكيف لم يتحقق ولو اختراق واحد؟ بل أن حزب الله استطاع خداع كل أجهزة الاستخبارات العالمية في قدرته الفائقة على التواري والتمويه مظهرا لبنان كأفضل بلد سياحي عربي يحقق سنويا ما يزيد عن أربع مليارات دولار من قطاع السياحة، ومن المؤكد ما كان لمثل هذا القطاع أن ينتعش لو ترافق مع احتكاكه بالمظاهر المسلحة في الشوارع والمناطق والأحياء. ومن الطريف حقا أن أحدا لم يدرك هذه الاستراتيجيا وهي أمام أعينه بما في ذلك إسرائيل التي ارتكبت حماقة العمر في مهاجمة حزب الله وسط فشل استخباري غير مسبوق في تاريخ نشأتها.

• وضوح العدو. لقد اتضح لكل مراقب أن حزب الله عمل كمقاومة تتمتع بمصداقية عالية ضد إسرائيل فقط، ولطالما أعلن أن المقاومة ليست موجهة ضد المجتمع اللبناني ولا ضد الجيش ولا ضد الدولة ولا ضد التركيبة الطائفية للبلد، ولم يكن كما تروج إسرائيل وأمريكا وبعض الدول الأوروبية دولة داخل الدولة. ولم يقف حجر عثرة أمام طموح الدولة وبسط سيطرتها ولم يمانع حتى في وضع سلاحه على طاولة الحوار الوطني، فخشيته من الخارج وليس من الداخل، ووظيفته ووجوده مكرسان للمساهمة في حماية لبنان وأمنه وليس لحماية طائفة بعينها، وهو يعرف أنه يعمل في بيئة طائفية متنوعة تقاس توازناتها بمقياس بالغ الدقة لدرجة أن أي خلل في الحسابات قد يؤدي إلى حرب أهلية وانفجار اجتماعي. وليس صحيحا أن إيران قادرة على اللعب في الساحة اللبنانية وفق حساباتها وحدها بعيدا عن التشكيلة الداخلية وتحالفاتها وتوازناتها. وفعلا استطاع حزب الله أن يوحد الغالبية الساحقة من اللبنانيين وحتى الجيش الذي اشتهر بفئويته ويجعل من إسرائيل العدو الأكبر للجميع.

ولكن من المؤسف أن السياسة العربية غيبت العدو من استراتيجياتها بنفس القدر الذي غيبت فيه الحليف أو الصديق. فليس في السياسة العربية ما يشير إلى عدو ولا إلى هويته إن وجد، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالصديق. فالعدو عند هذه الدولة هو صديق لأخرى من المفترض أنها دولة شقيقة، وصديق دولة شقيقة هو عميل ضدها عند دولة أخرى وهكذا في حلقة مفرغة ليس فيها حضور للصديق ولا للعدو. ولو سألنا ببساطة: من هو عدو الجيش إن لم يكن له عدو؟ وكيف يميز بين الصديق والعدو على المستوى الاستراتيجي إذا كان ساسته يبدلون صداقاتهم وتحالفاتهم على ما تطيب له نفوسهم؟

• الترسانة الإعلامية. من الأمور المدهشة حقا على المستوى الاستراتيجي أن وسائل الإعلام المرئية والمسموعة لحزب الله لم تتوقف لحظة واحدة عن البث بالرغم من تدمير البنى التحتية كافة لقناة المنار وللهوائيات ولوسائل الاتصالات، ومثل هذا الأمر لم يكن مألوفا في الحروب العربية التي كانت تتعرض لشلل شبه تام في وسائل اتصالاتها كلما نشبت حرب مع إسرائيل. فالكادر الإعلامي بقي سليما والبرامج لم تتغير والمقابلات استمرت على نفس الوتيرة، ومن الجلي أن الحزب وضع في حساباته حتى غياب الدعم الإعلامي له.

هذه هي بعض أسباب هزيمة إسرائيل العسكرية لمن أراد أن يواجهها، أما التعلل بعدم القدرة واستحالة الانتصار على الخصم والخشية من التدمير والقتل والجرائم فإسرائيل ترتكبها بسبب وبدون سبب ولأتفه سبب. وإذا ما وقع الخيار على المواجهة فمن الطبيعي أن ننتظر تدميرا شاملا وانتقاما وجرائم لا حصر لها ولكن كل شيء يمكن تعويضه إلا الكرامة التي إن ديست فمن الممكن أن تداس كل المقدسات وأن تنتهك كل المحرمات وأن تضيع الحقوق ويسود الرويبضة ويستأسد العملاء والخونة. لقد انتصر حزب الله ولا شك، ولولا ضعف جبهته الداخلية بالنسبة للقوى المناوئة له والتي خلفت له انتصارا مريرا، بدأ بمطاردته، لكان انتصارا مدويا. فهل من متعظ؟

نشرت بتاريخ 03 - 03 - 2009

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت