فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 167

د. أكرم حجازي

ليس مثيرا ولا موجبا ولا ضروريا ولا يستحق الالتفات أن يتحرك أحد من العالم عندما تقرر إسرائيل الفتك على الطالع والنازل بالشعب الفلسطيني صغيره وكبيره، فتحاصر الشعب الفلسطيني وتجوعه وترتكب مذابحها ضد الأطفال عبر البث الحي والمباشر للفضائيات العربية والأوروبية والأمريكية، وتتلطى الطفلة هدى غالية وغيرها على الرمال قهرا وكمدا لا تدري ماذا تفعل بعائلة مزقت صواريخ إسرائيل أشلاء عائلاتها.

وليس مثيرا أبدا لسلطاته ولا لدولته ولا لنقابة صحافييه ولا للمؤسسات التي ينتمي إليها ولا للمجتمع الذي يحتضنه ولا للأرض التي أنجبته وسقته من مائها أن يخرج علينا صحفي من المفترض أنه عربي ليقول لنا في صحيفة لم تكن في يوم ما عربية أن حماس والجهاد ولجان المقاومة الشعبية ارتكبوا جريمة بحق الشعب الفلسطيني وبحق الجندي البريء الذي اختطفوه وبحق إسرائيل الدولة الحرة ذات السيادة والمعترف بها من مجلس الأمن، وأن تتبرع وزارة الخارجية الإسرائيلية بنشر نص مقالته على موقعها في الشبكة، ومثله الكثير ليزدادوا فخرا وعزة.

وليس مثيرا أبدا أن نتعرض من الولايات المتحدة لوابل مستمر من تأييد العدوان الدائم كلما أوغلت إسرائيل فينا فتكا ودمارا وكلما رأت في ذلك ضرورة من ضرورات الأمن والدفاع عن النفس حتى لو كان الضحايا أطفالا وعلى شاكلة إيمان حجو ومحمد الدرة وهدى غالية والمئات مثلهم. فما ترتكبه إسرائيل كل يوم من جرائم وبتغطية أمريكية بلا منافس في التاريخ شيء طبيعي اعتاده الفلسطينيون منذ عشرات السنين، فمن حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها ضد الإرهابيين الذين احتلوها واقتحموا حدودها وهتكوا سيادتها وقتلوا شيوخها ونساءها وأطفالها وحاصروها ودمروا البنى التحتية لإسرائيل العزيزة.

ولكن العجيب هو ما نراه من مواقف عربية يستحيل على العقل فهمها أو تبريرها إلا بالتخاذل أو التجاهل حينا والتواطؤ حينا آخر. فهم لم يتحركوا ولو لمرة واحدة لنصرة الشعب الفلسطيني في مأزق بقدر ما تحركوا للضغط عليه كلما واتته فرصة يتيمة امتلك من خلالها المبادرة. فقد تمنيت أن أسمع صرخة واحدة من أحدهم أو مؤتمرا صحفيا يرد فيه على صوت الطفلة هدى وهي تملأ العالم صراخا حتى اضطر ناطق البيت الأسود أن ينطق كفرا ولكنه نطق بعكس ناطقينا الذين أصيبوا بالصمم والبكم التام. أما حين نفذت عملية الوهم المبدد وخطف الجندي فقد استفاق البعض منهم ليطالب بالحفاظ على حياته أو إطلاق سراحه لمنع تفاقم الموقف وخروجه عن السيطرة، ولا أدري عن أي صفاء للموقف يتحدثون ولا عن أي سيطرة هم يقصدون.

لقد تدخلت مصر وأطراف عربية ودولية لحل الإشكال بطريقة تحفظ ماء وجه إسرائيل وليس من الأهمية أن تفي بحاجة الفلسطينيين من نسائهم وأطفالهم وبنيهم وقادتهم في السجون، وقيل أن أولمرت أعطى الفرصة مجددا للدبلوماسية وأجل هجومه البري على غزة لمدة 48 ساعة علّ النتائج تثمر وبعدها لكل حادث حديث حيث يمكن لوزير الدماء بيريتز أن يلعق منها ما يشاء في غزة والضفة ولكن بعد تحرير الجندي، وقيل مثلا أن حماس توافق على إطلاق سراح الأسير مقابل وعد إسرائيلي مشفوعا بضمانات يتم بموجبها إطلاق سراح بعض الأسرى في وقت لاحق، وأن الاتصالات تجري على هذا الأساس! وللحق نقول هذه هي طريقة العرب في المفاوضات مع إسرائيل، وهي طريقة حققت الكثير وضمنت الحقوق!

وبطبيعة الحال فشل الاقتراح وما كان له أن ينجح، لأن الموازين اختلفت والأدوات ستختلف حكما وهو ما لا يريد العرب أن يفهموه. والدليل على فشله جاء من قادة الوهم المبدد اليوم حيث تقدموا بلائحة مطالب إنسانية لحل المشكلة تقوم على معادلة واضحة ليس فيها لبس ولا إحراج، أسرى مقابل أسرى، ولا ثقة بأحد إلا بتحرير النساء والأطفال والقادة والمجاهدين والعرب بلا استثناء، ولا نظن أن الفلسطينيين يمكن أن يتنازلوا عن مطالبهم القاضية بألف أسير مقابل الجندي، ولا نظن أن إسرائيل يمكن أن تناله حيا ميتا بلا ثمن لسبب أرجحه بقوة وهو أن المجموعات المهاجمة التي أسرت الجندي تقع خارج سيطرة التنظيمات حتى لو انتمى بعضها إلى هذا التنظيم أو ذاك. وأذكّر في مقالتي السابقة على صفحات الحقائق"من الذي اختطف الجندي؟"حيث قلنا أن أحدا لا يدري ولا يمتلك أية معلومات عن الجندي وليس له أية سيطرة عليه، وبالتالي فلا الرئيس ولا الحكومة ولا الفصائل يمكن لها أن تبت في أمر إطلاق سراحه إلا المجموعة التي أسرته وما زالت تحتفظ به.

هذا هو تفسيرنا لما أسمته المجموعة المنفذة بـ"العملية النوعية"، والأسوأ من هذا أن تكون المجموعة ممن اعتنق فعلا فكر السلفية الجهادية وهو ما نرجحه بالنظر إلى المحتوى الأيديولوجي لبيان"جيش الإسلام"والذي لا يدع مجالا للشك بأن عصر المساومات والضغوط والتهديدات قد ولى، وأن على إسرائيل أن تنظر بجدية وعقل وبأسرع وقت قبل أن يتصاعد الموقف على طريقة القاعدة وليس على طريقة العرب.

نشرت بتاريخ 03 - 03 - 2009

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت