د. أكرم حجازي
من المؤكد أن المحاضرة التي ألقاها اللورد جورج كيري رئيس أساقفة الكنيسة الإنجليكانية (كانتربري) في جامعة جريجوريان في يوليو 2004 قد أثارت حفيظة الكثير من الكتاب والباحثين على ما احتوته من لغط وإهانة للإسلام وللمسلمين ولعقيدتهم. ولكن مهما بلغت الردود من قوة الحجة والمنطق فالمشكلة ستظل باقية بل ومتصاعدة مع الغرب الذي لم يعد يرى في الكون إلا حضارته وثقافته. فلو أخذنا مثال بسيط من اللغط الصارخ، وهو باعتقادي ليس لغطا بقدر ما هو خبث، لوجدنا كيف يقلب الغرب الحقائق ويحورها خدمة لسياساته الاستعلائية وأغراضه العنصرية وهو يعلم ذلك علم اليقين.
فقد ورد في مقالة اللورد كيري أن نقطة التحول الأولى في تاريخ العالم الإسلامي والتي قلبت تفكيره باتجاه التطرف الديني وتبني الإرهاب والدخول في عداوات مع شتى عقائد العالم كانت في أعقاب سنة 1967. إذ ورد في المحاضرة حرفيا ما يلي:"اعتبر الكثيرون سنة 1967 نقطة تحول في عقول الكثرة من المسلمين, ففي هذه السنة قامت البلاد العربية (سوريا ومصر والأردن) بهجوم مفاجئ ضد إسرائيل, وكانت النتيجة هزيمة موجعة (للعرب) حيث ضاعت منهم مساحات كبيرة من الأراضي في سيناء وغزة والجولان"..
فمن هو الذي لا يعرف في العالم أجمع أن إسرائيل هي التي شنت الحرب على العرب سنة 1967 واحتلت أراضيهم؟ وهو الذي يعرف أن سلاح الطيران المصري دمر عن بكرة أبيه وهو رابض على أرضه. وكيف يعقل أن تنجح دولة تتعرض للغزو في رد الغزو واحتلال أجزاء واسعة من أراضي الدول الغازية؟
مثل هذه المغالطة تشبه فهم الغرب لمفهوم السامية التي يروج لها بني صهيون في شتى أنحاء العالم ويبتزون بها كل من ينبس، ظاهرا أو باطنا، بأي نقد لإسرائيل وللحركة الصهيونية وغطرستهما وكذبهما وتزويرهما للحقائق. والطريف في الأمر أن الشعوب العربية هي شعوب سامية فالغرب لا يريد لهذا المفهوم أن يعبر إلا عن محتوى واحد وهو أن السامية مفهوم عرقي يعني اليهود وليس أحدا غيرهم. هذا المحتوى يروجه مفكرو الغرب وعلماؤه ومؤرخوه من أنثروبولوجيين وإثنيين والذين يعلمون علم اليقين أنه واحدة من أقرف الأكاذيب والتزوير الصهيوني التي يروجها اليهود في عصرنا الراهن، وهو كذبة لا تفوقها حتى كذبة الهولوكست. فالسلالة السامية الأكثر نقاء في أصول الأجناس والأعراق هي السلالة العربية وليس اليهودية التي ضمت حتى الآن ما يزيد على اثنين وتسعين قومية من شتى بقاع الأرض، فضلا عن أن أحدا لم يعترف باليهودية كقومية مستقلة على أساس الدين.
قلت من المؤكد أن الكثيرين ردوا أو بصدد الرد على اللورد كيري، غير أن المشكلة ليست في حجم الرد ولا في قوة وضوحه أو بديع منطقه بل بالجدوى من الرد وبالجهة التي يخاطبها. فكلما واجهتنا مشكلة نشحذ أقلامنا ونتجند للرد على أعدائنا ولكن هل يصل ما نكتبه إلى أعدائنا وإلى عقر دارهم لتفهم شعوبهم ما يجري فعلا ولتتعرف على الحقائق كما هي دون تحوير أو قلب أو تزوير؟ فنحن منذ ما يزيد على نصف القرن نسخر ونقهقه من خرافة ادعاء اليهود بأنهم شعب سامي باعتبار أننا ساميون أصلا فيما يتصرف الغرب شعوبا ونخب عكس ذلك تماما وقد نكون موضع سخرية من الغرب أو يفهم أننا نماحكه حينما نقول له بأننا ساميون. وإذا ما كان الغرب يعتقد أن الدول العربية هي التي هاجمت إسرائيل سنة 1967 فستكون ردودنا أشبه بمن يرقص في عتمة الظلام، ولعمري أننا نحاور ذاتنا لا أكثر، وحتى في هذه الحالة التي نطرب لها نتعرض لهجمات شرسة من الغرب أو من أبناء جلدتنا ممن تستهويهم أطروحات اللورد كيري.
وللإطلاع على محاضرة اللورد كيري يمكن مراجعة مجلة وجهات نظر من خلال موقع الجزيرة - عدد يوليو.
نشرت بتاريخ 12 - 03 - 2009