فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 167

د. أكرم حجازي

وبلا ريب فإن أحداث العراق باتت تحتل الصدارة، وبصراحة فلم تكن أغلب التعليقات التي أعقبت ظهور رسالة أبي حمزة المهاجر (إن الحكم إلا لله) على الفضائيات العربية بمستوى الحدث، وستظل كذلك طالما أنها تنطلق، وكالعادة، من مخزونها السياسي أو الأيديولوجي ولا تأخذ بالحسبان مخزون الطرف الآخر كي يمكن تبين حقيقة الرسالة الإعلامية ووزنها السياسي أو قل الاستراتيجي.

فالكلمة مثلت أقوى خطاب سياسي للقاعدة منذ تأسيسها وحتى الآن. وما خفي في رسالة إعلان دولة العراق الإسلامية السابقة أجابت على بعضه رسالة المهاجر وإنْ أبقت البعض الآخر منه طي الكتمان. وإذا تمعنا في بعض الأحداث الواقعة بين الرسالتين وقبلهما بقليل يمكن القول بثقة أكبر، ومبدئيا، أن الولايات المتحدة الأمريكية خسرت الحرب فعلا في العراق وفي أفغانستان على السواء، فلا الحملات الإعلامية ولا الحروب النفسية نجحت، ولا الحملات العسكرية أثمرت، ولا تحقق من زرع الفتن وبث الأكاذيب حول القاعدة في العراق شي يذكر، ولم تُجْد تهديدات أبو أسامة العراقي ومن يقف وراءه، وعلى العكس من ذلك فالجدل حول الفشل الأمريكي غدا ديدن العامة والخاصة على القنوات الأمريكية والغربية، وليست استقالة رامسفيلد وخسارة الجمهوريين لانتخابات الكونغرس إلا صفعة مدوية توجت سلسلة الحملات هذه والتصريحات التي أقرت بالخسارة أو اعترفت بصعوبة تحقيق النصر في العراق.

وإذا كان الحديث عن سحب القوات الأمريكية في العراق هو النهاية المتوقعة لدى أغلب المحللين وأكثرهم نفاذا واطلاعا على السياسة الأمريكية فليست رسالة المهاجر إلا تتويجا لهذه النهاية وإيذانا ببدء معارك طاحنة ينتظر أن تدور رحاها قبل تنفيذ الانسحاب. ولا أدري ما الذي يضيفه بعض المحللين لما يتجاهلون عن جهل أو سوء النية أو يتقولون على القاعدة بأنها تستنجد بهذا أو تتفق مع ذاك أو تختلف أو تخشى في حين يتركون أهم المحاور في رسائل الجماعات الجهادية المقاتلة والتي ينبغي عليهم وعلى غيرهم التوقف عندها طويلا إذا ما أرادوا فهم حقيقة الأحداث الجارية أو المتوقع حدوثها؟

فالرسالة التي بين أيدينا لم تكن استعراضية ولا تحريضية ولا توسلية ولا تحمل شيء يذكر من الضعف أو القلق أو انعدام الحيلة بقدر ما تحمل تحديا سافرا وثقة غير مسبوقة في خطاب القاعدة. وفي هذا السياق نستطيع أن نتكئ على تصريح صالح المطلق لما قال بالحرف الواحد لقناة الجزيرة قبل أيام:"إن القاعدة تتضخم على حساب الجماعات العراقية الأخرى". أما لماذا تتضخم؟ وما هو وجه التضخم؟ فما من أحد توقف عند هذه التساؤلات كثيرا، وما من أحد يرغب في الإجابة عليها. ولعل الغالبية الساحقة من الكتاب محقين في العزوف عن مسائل من هذا النوع كونهم ليسوا على تماس مع الحدث وليس بمقدورهم فعلا معاينة قوته. ولكن أن يتنطع البعض مستخفا بعقول الناس وسط بحار من التصريحات والتعليقات والتحليلات فهو أمر يثير الاشمئزاز ويبعث على التقيؤ.

فالشريط الذي افتتح بآيات الوحدانية والعبودية لله والحكم بسلطان الله في سورة يوسف، وهي سورة من أكثر سور القرآن اشتمالا على الدلالات الرمزية كالجهاد والصبر والتضحية والاستعصام والعمل ومن ثم التمكين من بدايته إلى نهايته، لم يتوقف أحد عندها أو يتساءل ما الفرق بين تقديم هذه الآية في هذا الشريط وتقديم أخرى في شريط آخر، ولا عن نوعية القوى المخاطبة من الناس أو الجماعات المقاتلة، ولا عن العبارات التي استعملت فيه من نوع: أمة الإسلام .. أمتي الغالية، أيها المسلمون الموحدون، أيها المجاهدون في أقطار الأرض، أيها المؤمنون، أيها المجاهدون، أيها الموحدون، إخواننا المجاهدون الأكارم أصحاب المنهج والخلق والعمل، إخواني الأحباء، عباد الله ... .

وفي سياق عام وتقليدي لا جديد فيه تحدث الشريط عن هزيمة القوات الأمريكية منتقدا من جهة دور قوى أو جماعات لم يفصح عنها تمارس ما يشبه الغدر والنفاق حين تجري لقاءات سرية مع الأمريكيين بخصوص الوضع في العراق ومخطِّئا من جهة أخرى السياسة الأمريكية في السماح بتفعيل الدور الإيراني في العراق، ومن السذاجة حقا أن يعتقد البعض بأن مواقف القاعدة من إيران أو المسألة الشيعية تتقاطع مع الموقف الأمريكي من حيث لا تدري القاعدة دون أن يقل مثل هؤلاء المعلقين بأن واقع الأمور ومرجعية التفكير والطموحات والأهداف مختلفة اختلافا جذريا بالمقارنة مع نمط التفكير الوطني أو القطري أو القومي أو بالإجمال الأيديولوجي. وبالتالي لا يضير القاعدة أن تتقاطع سياستها مع هذا الطرف أو ذاك بقدر ما يهمها أن تنفذ ما تعتقد أنه صحيحا بعيدا عن حسابات المصالح التي تحسبها الدول والقوى السياسية المنخرطة في مشروع الدولة الوطنية على اختلاف توجهاتها سواء كانت إسلامية أو علمانية.

ومن المثير فعلا أن واحدة من أهم القضايا التي تحدثت عنها الرسالة وجوبهت بتجاهل أو عجز عن الفهم إنما تتعلق بحل مجلس شورى المجاهدين وكافة الجماعات المنضوية تحت رايته، وذوبانها بالكامل في إطار الدولة الإسلامية، وهي مسألة تضع النقاط على كثير من الحروف. فلا وجود من الآن فصاعدا للمجلس ولا للهيئات الإعلامية التابعة له ولا لأية مؤسسة أخرى ولا لأية جماعة خارج إطار الدولة، فطرق العمل وآلياته ومؤسساته يبدو أنها ستختلف اختلافا جذريا عن السابق بما في ذلك الطموحات والأهداف:"إننا اليوم نعلن انتهاء مرحلة من مراحل الجهاد وبدء مرحلة جديدة هامة نضع فيها أول لبنةِِ من لبناتها لندشن مشروع الخلافة الإسلامية ونعيد للدين مجده". والذي يعاين الفقرة جيدا سيكتشف أن الطموح والمآل لم يعد يتعلق بإمارة إسلامية ولا بمجلس شورى ولا حتى بدولة إسلامية بقدر ما تبدو المسألة خطوة انتقالية تمهد لإعلان بالغ الخطورة يبدو أنه يتجاوز كل التشكيلات السابقة وهو بداية العمل على مشروع الخلافة. وهنا مصدر القوة في الرسالة غير المسبوقة في تاريخ القاعدة، ولا شك أن مثل هذا الإعلان قد يبدو مبالغة واستعراضا لدى الغالبية من المتابعين ناهيك عن العامة، ولكن لو فكرنا بمنطق القاعدة ومرجعيتها العقدية وحساباتها السياسية وواقعها على الأرض فلعل ما يتراءى لنا غريبا قد يبدو لها حقيقة قريبة المنال، ثم إن مسألة التطلع إلى الخلافة ليست مكسبا تنظيميا ولا قضية دولة أو حزب أو جماعة ولا هي موضع خلاف أو شقاق بالقدر الذي هي فيه نظام حكم شرعي ليس حكرا على هذه القوة أو تلك، وإلا فلماذا تعنون الرسالة بـ: (إن الحكم إلا لله) ؟

فالقاعدة قد تحولت في بضع سنين من تنظيم"الجهاد والتوحيد"إلى عضو في"مجلس شورى المجاهدين"ثم إلى"حلف المطيبين"تلاه بعد يومين الإعلان عن"دولة العراق الإسلامية"، ما يدفعنا لنتساءل مبدئيا وبصورة حازمة: أليست هذه عناوين تؤشر على تقدم في مسار القاعدة؟ ولنطرح سؤالا أكثر خطورة: من الواضح أنه منذ الإعلان عن دولة العراق الإسلامية والحديث يجري عن مقارنات دفاعية تماثل بين الدولة المعلنة ودولة المدينة وهو ما ذكرت به الرسالة ورفضت فيه أطروحات التقسيم التي حذر منها البعض، فماذا لو أقدمت هذه الدولة الوليدة على إعلان الخلافة كما تخطط؟ فكيف سيكون رد الفعل ليس عند المحللين والمتجاهلين بل لدى عامة الناس؟ ألا يؤشر مثل هذا الأمر على خلق حالة من البلبلة على الأقل في لحظات الإعلان الأولى؟ ومن يضمن من الزعامات أو الساسة أو المفكرين أو الفقهاء أو العلماء الذين تجاهلوا أهمية الرسالة وما ورد فيها ألاّ يؤدي مثل هذا الإعلان إلى إحداث شرخ في العالم الإسلامي قد ينتهي بحروب طاحنة بين مؤيد أو معارض من المسلمين؟ وماذا لو توالت المبايعات للخليفة المنتظر؟

أما نسخ جميع التشكيلات السابقة على الدولة الإسلامية والإعلان عن ذوبانها تماما في إطارها فليست مسألة هزلية هي الأخرى ولا عفوية ولا عاطفية، فالرسالة تهيب بالقوى الإسلامية الأخرى الانخراط في الدولة الوليدة ونصرتها والدفاع عنها وتقدم مشروع الخلافة كمطلب لذات القوى كي يعمل عليه الجميع في إطار الدولة وليس في ظل أي تشكيل سابق عليها أو لاحق، فالأهداف واحدة والطموحات واحدة والأمل واحد، فما الذي يمنع من اللقاء والالتفاف على الهدف والدولة بعد كل التضحيات التي قدمت؟ أليس هذا هو السياق الذي يعلن فيه أبو حمزة المهاجر مبايعته لأبي عمر البغدادي ويقدم جيشه كجيش للدولة وتحت إمرتها وإمرة أميرها؟ فبالنسبة له فقد"حان وقت الصدق والحسم". فهل يعني هذا أن عهد الجماعات المسلحة والبيانات والتنافس في ضرب المحتل والتجنيد والتعبئة لهذه الجماعة دون هدف صارم قد ولى إلى غير رجعة؟ وأن التطلع الآن يتجه نحو حماية دولة يشعر سكانها بالأمن والأمان مثلما يشعر جيشها بقدرته على حماية رعاياه وسيطرته على حدودها، وأن هذه الدولة ليست ملكا لتنظيم أو جماعة بل ملك لكل سكانها المجاهدين وغير المجاهدين، ودولة لكل مقاتليها الذين يشكلون بمجموعهم جيش الدولة؟

أما مسألة الإعلان عن حجم جيش القاعدة ففيه الكثير من الدلالات المثيرة والتي لا يتطلع إليها عادة الإعلام فيما هي عند أصحابها من الحواسم الاستراتيجية في التفكير والعمل. فلا يغلب اثني عشر ألفا من قلة. هذا حديث نبوي شريف لطالما دغدغ أماني وطموحات الشيخ حسن البنا في أواخر ثلاثينات القرن الماضي لما كانت الجماعة تنمو بأوجها ويطالب بعض قادتها ببدء مرحلة الجهاد فرد البنا أن الوقت لم يحن بعد، واقترح في رسالته الخامسة تجهيز ثلاثمائة كتيبة كشرط للانطلاق وهو ما يوازي عدديا اثني عشر ألف رجل. ولنا أن نتساءل: كيف سيكون الأمر؛ وقد نجحت القاعدة في تجهيز هذا العدد من المقاتلين يؤازرهم عشرة آلاف مقاتل احتياط؟ فهل من الممكن الحديث الآن عن حاجة القاعدة إلى المدد البشري؟ ثم لماذا تجند القاعدة هذا العدد الهائل من المقاتلين إن لم تكن تخطط فعلا لأمر ما يحتاج إلى هذا الكم البشري؟

لا شك أن الجميع يذكر دعوات بن لادن والظواهري وها يطالبان بالمزيد من المدد ويوجهان رسائل عديدة إلى الشباب كي ينصروا إخوانهم في العراق، وقد ظهر هذا جليا في شريط أبو مصعب الزرقاوي وذهب الكثير إلى الاعتقاد، ومنهم كاتب هذا المقال، أن القاعدة ربما تكون بحاجة إلى المدد فعلا أو أنها تخطط لشيء ما تحتاج بموجبه إلى المزيد من الموارد البشرية. ولكن لأن المسالة بحسابات القاعدة ليست تنظيمية أبدا بقدر ما هي بناء استراتيجي لنواة صلبة تحتاج إلى جهود الجميع وتضع بين أيدي الجماعات المقاتلة كافة كنزا يتمثل في وحدة القوة والجهد لتكون حقا وثبة وكرة باتجاه العدو حتى لو كان في أقاصي الأرض. فالدولة تتطلع الآن إلى ما تراه تصفية لجيوب العمالة في العراق في جنوبه وشماله. ومن المؤكد أنها إذا ما نجحت بترتيب وضع العراق فلن يمنعها شيء من التقدم باتجاه إعلان الخلافة من جهة وباتجاه محيطها لاسيما فلسطين وحينها ستكون لكلماتها بـ"نسف البيت الأبيض"وقعها الثقيل.

كما أن العدد المعلن لجيش القاعدة شكل مفاجأة بكل المقاييس، على الرغم من أن صالح المطلق كان قد أشار في وقت سابق إلى تمتع القاعدة بإمكانيات كبيرة تفوق ما لدى الجماعات الإسلامية الأخرى. ولعل السر في العدد، طبقا للحديث النبوي، تكمن في الإيمان أولا وفيما يزرعه من شعور بالثقة وتوفر شروط التمكين لخوض معارك كر وفر غير تلك التي سمعنا عنها في السنوات السابقة على احتلال العراق. هكذا أيضا نفهم معنى"انتهاء مرحلة من مراحل الجهاد وبدء مرحلة جديدة"، لذا ثمة اعتقاد بأن المرحلة القادمة ستكون أشد ضراوة على الطرفين مما سبقها من مراحل، وفي خضم هذا التوجه يمكن أن نفسر أيضا، إلى حد ما، الخسائر الكبيرة جدا في عدد القتلى الأمريكيين خلال شهر أكتوبر / تشرين أول الماضي والذي تجاوز المائة قتيل. وثمة احتمال أيضا يتردد لدى مؤيدي القاعدة بأن هذه الأخيرة قد تلجأ فعلا إلى إعاقة الانسحاب الأمريكي من العراق ريثما تستكمل بقايا أهداف المرحلة السابقة. غير أن التجارب تدل على أن القوات المحتلة غالبا ما تلجأ، هي الأخرى، إلى ارتكاب مجازر جماعية إذا ما شعرت بأن هزيمتها باتت محققة وأن الانسحاب قاب قوسين أو أدنى، وهو ما فعلته الولايات المتحدة في فيتنام وكوريا.

بقي أن نقول أن مثل هذه الأحداث التي تصنعها الجماعات الجهادية في العراق تظل بحاجة إلى الكلمة الفصل من شيخي التيار الجهادي العالمي أسامة بن لادن ود. أيمن الظواهري وهو ما لم يحدث حتى هذه اللحظة. فأحداث من هذا العيار يصعب اليقين بها ما لم تحظ ببصمة مميزة.

الطريف أن الأحداث تسير بسرعة الدوت كوم فيما القطاع الأكبر من الإعلام العربي تسيطر عليهم حالة من الجمود وتراهم مشغولين بثقافة التشكيك والحذر والخوف أو التنديد والاستنكار والإدانة بدلا من التمحيص والتدقيق والاقتراب من الحدث بأقل قدر ممكن من الموضوعية، فلم يعد ينفع التجاهل ولا التحريض ولا اللامبالاة، ودون ذلك فربما يسبق الحدث الجميع.

نشرت بتاريخ 28 - 02 - 2009

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت