فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 167

"راند"توصي باحتلال المجتمعات

بدعوى مكافحة الإرهاب:

"راند"توصي باحتلال المجتمعات

د. أكرم حجازي

بخلاف دراسة سابقة لها بعنوان:"ماذا بعد القاعدة 2006 Beyond al-Qaeda"أصدرت مؤسسة راند دراسة جديدة نشرت في 29/ 7/2008 بعنوان:"كيف تنتهي الجماعات الإرهابية؟ How Terrorist Groups End?". ومن الواضح أن السؤال يحتاج إلى إجابة إلا أنه ليس هدفا بحد ذاته. فهو، على الأكثر، آلية استقراء لاستخراج ما يمكن إسقاطه على واقع بعينه أو للاسترشاد به في معالجة مشكلة أكثر أهمية وإلحاحا. وفي ضوء الدراسة يمكن أن يكون السؤال المركزي، بلغة الدراسة، هو التالي: إلى أي مدى يمكن الاستفادة من"نهاية"المجموعات الإرهابية السابقة في القضاء على نموذج القاعدة؟ هكذا بالضبط يمكن التعبير عن جوهر الدراسة والغاية منها.

في القسم الأول من المقالة سنعرض لمحتويات الدراسة آخذين بعين الاعتبار مستويين من المضمون لا علاقة لهما بالتقسيمات المنهجية للدراسة، لكننا آثرنا التقسيم تسهيلا على القارئ في فهم المحتوى دون الدخول في التفاصيل أو الخروج عن ملخص الدراسة كما قدمته"راند". وفي المستوى الأول سنعرض لبعض نتائج التحليلات الكمية التي تناولت مئات الجماعات المسلحة على امتداد أربعين عاما، وفي المستوى الثاني سنقدم لآليات التعامل مع القاعدة بناء على نتائج التحليلات الكمية.

وفي القسم الثاني سننظر في حقيقة الدراسة والأسباب التي دعت لظهورها في هذا الوقت وعلاقتها بسياسة الحزبين الأمريكيين الديمقراطي والجمهوري، كما سنعرض لمفهوم جديد للاستعمار تسعى الدراسة إلى ترويجه على نطاق واسع عبر ما تسميه بالمفاتيح الفعالة للاستراتيجية الجديدة.

جواهر الدراسة (1)

المستوى الأول من الدراسة:

1)نهاية المجموعات الإرهابية بحسب معيار الوسيلة المستخدمة

تقول الدراسة أنها عاينت 648 مجموعة إرهابية تواجدت في الفترة ما بين 1968 - 2008. وفي تحريها عن نهاية هذه المجموعات، التي انتهى بعضها فعليا منذ العام 1968 فيما لا يزال بعضها الآخر عاملا إلى يومنا هذا، تبين لها أن:

• 43% منها انتهت بفعل اندماجها في العمل السياسي.

• 10% حققت أهدافها.

• 7% انتهت باستعمال القوة العسكرية.

2)نهاية المجموعات الإرهابية بحسب معيار الوقت

لاحظت الدراسة أن:

• المجموعات الإرهابية الدينية (القائمة على أساس عقدي) أخذت وقتًا أطول من المجموعات الأخرى لتنتهي. وتقريبًا 62% من كل المجموعات الإرهابية انتهت منذ العام 1968، لكن فقط 32% من المجموعات الإرهابية الدينية قد انتهت منذ ذلك الحين.

• حجم المجموعة هو عامل مؤثر في تحديد قدرها وقدرتها. فالمجموعات الكبيرة التي تضم أكثر من عشرة آلاف عضو انتصرت في أكثر من 25% من الأوقات بينما ندر انتصار الجماعات ذات الأعضاء الأقل من ألف عضو.

• ليس هناك ارتباط إحصائي بين طول بقاء المجموعة الإرهابية والتحركات الأيديولوجية ولا الظروف الاقتصادية ولا نوع نظام الحكم ولا كذلك اتساع أهداف هذه المجموعة. ولكن يظهر هناك ارتباط ما بين حجم المجموعة الإرهابية وطول بقاءها. فالمجموعات الأكبر تبقى أطول من المجموعات الأصغر.

• عندما تنخرط المجموعات الإرهابية في أنشطة التمرد العسكري فهي لا تنتهي بسهولة. تقريبًا في 50% من الوقت انتهت المجموعات بتسوية تفاوضية مع الحكومة. و 25% من الوقت حققت المجموعات الإرهابية النصر. و 19% من الوقت حققت القوات العسكرية النصر عليها وأنهتها.

3)ميزات الوسائل المستخدمة في مواجهة الجماعات الإرهابية

• أجهزة الأمن والشرطة

ترى الدراسة أن الأعمال الشرطية والمخابراتية أظهرت أنها الإستراتيجية الأكثر نجاحًا بخصوص المجموعات الإرهابية التي لا تستطيع أو لن تستطيع التحول إلى عدم العنف، وأن نسبة النجاح بلغت 40%. فالشرطة والخدمات التخابرية لديها تدريب أكثر ومعلومات أكثر لاختراق وإفساد المنظمات الإرهابية أفضل من المؤسسات الأخرى كالمؤسسة العسكرية. أما لماذا؟ فلأنهم الذراع الرئيسي للحكومة المركز، والمهتم بمشاكل الأمن الداخلي. كما أن الشرطة وأجهزة المخابرات المحلية لديها تواجد دائم في المدن والحواضر والقرى، ولديهم فهم أفضل للبيئة التي ينبع منها الخطر في هذه المناطق، وكذلك قدرة أعلى في فهم الناس هناك والتعامل معهم.

• القوات العسكرية

القوات المسلحة بدت الوسيلة الأكثر نجاحًا فقط عندما استخدمت ضد المجموعات الإرهابية الضالعة في نشاطات التمرد العسكري، وفي حالة ما إذا كانت هذه المجموعات كبيرة ومسلحة تسليحًا جيدًا ومنظمة تنظيمًا جيدًا كذلك. جماعات التمرد العسكري هذه كانت من أكثر المجموعات الإرهابية قدرة وفتكًا، والقوات المسلحة كانت في العادة ضرورة في مثل هذه الحالات. ولكن استخدام القوات المسلحة ضد أغلب المجموعات الإرهابية يعد الوسيلة الأكثر فظاظة.

ورغم أن الأدوات العسكرية قد تطورت لتصبح أكثر دقة وفتكًا خصوصًا مع استخدام التصوير والأسلحة الدقيقة إلا أن استخدامها كان محدودًا ضد المجموعات الإرهابية. ويبقى أن استخدام القوة العسكرية الأمريكية الضخمة ضد المجموعات الإرهابية يشكل خطرًا ملحوظًا في تحويل الجماهير المحلية ضد الحكومة نتيجة قتل المدنيين.

المستوى الثاني من الدراسة:

1)عودة القاعدة

اعتمادا على ما سبق في المستوى الأول تنطلق الدراسة مما تعتبره دلائل تظهر أن الإستراتيجية الأمريكية بعد هجمات 11 سبتمبر لم تكن ناجحة في تقويض وهدم قدرات القاعدة. وعلى العكس من ذلك فالقاعدة، بحسب الدراسة، مازالت منظمة قوية ومتماسكة. وأن أهدافها بقيت كما هي: توحيد المسلمين لقتال الولايات المتحدة وحلفائها (العدو البعيد) والإطاحة بالأنظمة الموالية للغرب في الشرق الأوسط (العدو القريب) لإقامة الخلافة الإسلامية.

كما أن القاعدة قامت بنشاطات إرهابية منذ 11 سبتمبر أكثر من كل ما قامت به في تاريخها السابق. وهذه الهجمات شملت أوروبا وآسيا والشرق الأوسط وأفريقيا. بل أن الطابع الإجرامي للقاعدة طور وضم واستخدم ذخيرة مطورة من العبوات المتفجرة ونمى استخدام التفجيرات الانتحارية. وكذلك تطور الهيكل التنظيمي للقاعدة مما يجعلها عدو أكثر خطورة عن قبل. وشمل هذا تطوير منهج من أسفل إلى أعلى لتشجيع العمليات المستقلة من الأفراد في المستوى الأدنى من التنظيم. وشمل أيضًا منهجًا من أعلى إلى أسفل لوضع الإستراتيجيات والعمليات من المركز الرئيسي في باكستان.

2)تغيير استراتيجي

وعليه ترى الدراسة أن عودة القاعدة يجب أن تطلق إعادة تفكير مبدئي أو أساسي في الإستراتيجية الأمريكية المضادة للإرهاب على أن يفهم صناع السياسات أين يعطوا الأولوية لجهودهم. وكنتيجة لما تضمنه المستوى الأول فإن الحل السياسي مع القاعدة غير ممكن لاسيما وأن التحليلات الواردة فيه أظهرت أنه لا يوجد حل ميداني عسكري للإرهاب، لذا فإن المنهج الأكثر فعالية هو تبني إستراتيجية من جبهتين أو من شقين:

أولًا:

الجهود الشرطية والمخابراتية يجب أن تكون هي العمود الفقري للجهود الأمريكية في أوروبا وأمريكا الشمالية وشمال أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط. فالقاعدة تتكون من شبكة من الأفراد المستقلين الذين يجب تعقبهم واقتفاء أثرهم واعتقالهم. وهذا يتطلب عمل حريص خارج الحدود من جهات مثل السي آي إيه و الإف بي آي بالإضافة إلى تعاونهم مع وكالات المخابرات وأجهزة الشرطة الأجنبية.

ثانيًا:

القوة العسكرية، وليس بالضرورة الجنود الأمريكان، قد تكون أداة ضرورية في حال انخراط القاعدة في تمرد مسلح. القوات العسكرية المحلية (الجيوش المحلية) كثيرًا ما تكون لديها شرعية أكبر للعمليات من الولايات المتحدة. كما أن لديهم فهم أفضل لبيئة العمليات حتى ولو كانوا محتاجين لتطوير قدراتهم أكثر على المدى الطويل للقدرة على التصدي للمجموعات الإرهابية المتمردة عسكريًا. وهذا يعني أنه يجب ألا يظهر سوى أثر طفيف جدًا أو حتى لا أثر على الإطلاق للقوات العسكرية الأمريكية. والقوات العسكرية الأمريكية من الممكن أن تلعب دورًا هامًا للغاية في بناء قدرات القوات العسكرية المحلية. ولكن يجب أن تقاوم تمامًا جرها إلى عمليات قتالية مباشرة في المجتمعات الإسلامية. لأن وجودها وظهورها في هذه الحالة يشجع على زيادة التجنيد في صفوف الإرهابيين.

3)المفاتيح الفعالة

في التفاصيل؛ تلح الدراسة على ما تعتبره مفتاحا فعالا لهذه الإستراتيجية الجديدة يقضي بالتوقف نهائيا عن استخدام تعبير"الحرب على الإرهاب"واستبداله بتعبير ومبدأ مثل"مكافحة الإرهاب"مثلما فعلت من قبل الحكومة البريطانية وآخرين غيرها. لأن التعبير:

• يجعل الجماهير سواء في الولايات المتحدة أو في غيرها يتوقعون وجود حل لمشكلة الإرهاب في ساحة الحرب الميدانية.

• كما أنه يدفع الآخرين خارج الحدود إلى إعلان الجهاد أو الحرب المقدسة ضد الولايات المتحدة ويرفع مكانتهم أيضًا إلى مرتبة المحاربين المقدسين في حين يجب أن يُنظر إلى الإرهابيين، وأن يوصفوا، كمجرمين لا كمحاربين مقدسين.

كما أن الاستراتيجية الجديدة تشمل عدم السماح بجر القوات العسكرية إلى معارك مباشرة كونها تحقق عكس الهدف الذي ترمي إليه. فهي في العادة تُستخدم بكثافة وتنفر العامة من طبيعتها ذات اليد الثقيلة. وتفتح النوافذ لفرص جيدة للتجنيد لصالح المجموعة الإرهابية. أما القوات الخاصة الأمريكية فسوف تبقى مهمة جدًا كما هي العمليات العسكرية لمكافحة المجموعات الإرهابية التي تنخرط في التمرد العسكري.

أيضا يجب أن تشمل هذه الإستراتيجية الجديدة إعادة توزيع المصادر والاهتمامات الأمريكية على العمل الشرطي والتخابري، وهي تعني أيضًا زيادة الميزانيات لكل من: وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ووزارة العدل ووزارة الخارجية وإعادة التقييم والنظر في اهتمامات ومصادر وزارة الدفاع في مكافحة الإرهاب.

4)سبب للتفاؤل

تختم الدراسة بقدر لا بأس به من التفاؤل فيما يتصل بالقضاء على القاعدة. إذ أن فرص نجاح القاعدة في الإطاحة بأي حكومة هي قريبة من الصفر. فضلا عن أن كل المجموعات الدينية التي انتهت ومنذ العام 1968 لم تحقق ولا واحدة منها النصر. والقاعدة لديها أهداف غير قابلة للتحقيق عمليًا في محاولتها لإزالة أنظمة حكم عديدة في الشرق الأوسط.

كما أن التأييد الشعبي الذي تحظى به القاعدة في غالبية العالم الإسلامي لا يتحول إلى تأييد ضخم من النوع الذي تنعم به منظمات أخرى مثل حزب الله في لبنان. وهذا ليس مفاجأة لأنه ليس هناك الكثير من الخدمات الاجتماعية المفيدة التي تقدمها القاعدة ولا المستشفيات ولا العيادات، وهذه مشكلة يعرفها جيدًا قادة القاعدة. وبالإضافة لذلك فإن القاعدة مستمرة في توسيع قائمة أعداءها. فهي تشمل الآن: كل حكومات الشرق الأوسط والمسلمون الذين لا يشاركون القاعدة رؤيتها والحكومات الغربية والآسيوية ومن ضمنها (أفغانستان والهند وباكستان) والأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية. وصنع عالم من الأعداء مع امتلاك أهداف غير قابلة للتحقيق ليس بإستراتيجية انتصار.

خفايا الدراسة ومخاطرها (2)

لا شك أن المطلع على منهجية العلوم الاجتماعية الأمريكية يدرك أنه بصدد بحث إمبريقي (تجريبي) بامتياز. بمعنى أن أصحاب الدراسة تعمدوا النأي بأنفسهم عن الذاتية في الإجابة على السؤال:"كيف تنتهي الجماعات الإرهابية؟"تاركين لنهايات التجارب التاريخية الكلمة الفصل في التوصيات. وهكذا تبدو الدراسة متمتعة بقدر كبير من المصداقية والحيادية بما أن: (1) الأرقام هي من يتحدث بلا مواربة، وهي (2) صاحبة السلطان في صياغة التوصيات الملائمة وليس التحليلات أو التنبؤات التي قد تصيب أو تخطئ. لكن إلى أي مدى تبدو الدراسة محايدة فعلا؟ وما قيمة توصياتها وأثرها على الدول والمجتمعات المستهدفة؟

الديمقراطيون أو تواطؤ"راند"

إننا نطرح السؤال كون المؤسسة التي أنجزت الدراسة، واختارت مسبقا المنهج الإمبريقي انطلقت في التحليل، على ما يبدو، من فرضية لديها ترقى إلى مستوى الإثبات حتى قبل أن يجري فحصها منهجيا في ضوء تجارب الجماعات المسلحة. وهذه الفرضية (المسلمة) تقول بأن القاعدة ما زالت منظمة قوية ومتماسكة، وأن لا حل عسكري لها في الميدان! ولا شك أن هذه ليست نتيجة بقدر ما هي حقيقة تعترف بها المؤسسة مسبقا. بطبيعة الحال سيلاحظ القارئ، بداية أو نهاية، أن الدراسة تتحدث عن فشل استراتيجي أمريكي في التعامل مع القاعدة بعد هجمات 11 سبتمبر، وهذه مسألة تعتبر بالنسبة للدراسة"دلائل"لا تحتاج إلى إثباتات. فما الذي أرادت الدراسة، إذن، إثباته أو نفيه؟ وبماذا سيفيدها الرجوع إلى تاريخ الجماعات المسلحة؟ هل تريد التفتيش عن آليات جديدة للقضاء على القاعدة باعتبار أن الآليات المعمول بها منذ 11 سبتمبر آلت إلى الفشل؟ أم تريد إثبات فشل السياسات الأمريكية في التعامل مع القاعدة في ضوء التجارب السابقة للجماعات المسلحة؟ وهل استعملت المنهج الإمبريقي لإثبات صحة توجهاتها؟ أم لخدمة توجهات أطراف أخرى؟ باختصار: ما هي خلفيات الدراسة؟

بما أننا لا نمتلك أية معلومات صريحة حول الجهة التي تقف خلف الدراسة فسنلجأ إلى مقاربة المضمون مع كل من سياسات الحزبين الأمريكيين الجمهوري والديمقراطي. إذ لكل منهما استراتيجياته التقليدية التي تميزه تاريخيا فيما يتعلق بشعار"أمريكا قوية دائما".

المقاربة الأولى

في خضم العام الجاري ثارت في الولايات المتحدة الأمريكية عاصفة من النقاشات حول مصير القاعدة انقسم فيها الرأي إلى قسمين: أحدهما يقول بأن القاعدة هزمت والثاني يرى خلاف ذلك! وإذا قلنا أن المفكرين الأمريكيين أنفسهم يختلفون حول الموقف من القاعدة فإن ما جاءت به"راند"ليس سوى تغليب رأي على آخر حتى لو اتخذ طابعا علميا. إذ لا يعقل أن تتحول القاعدة بين ليلة وضحاها إلى تنظيم مهزوم أو منتصر بفعل ما يشبه الجدالات العقيمة التي لم يفلت منها إلا مؤسسة راند!

فالثابت أن الدراسة صدرت على مقربة من انتخابات أمريكية ذات مواصفات مميزة عن سابقاتها، سواء لجهة المرشحيْن والأصول الأفريقية لأحدهما أو لجهة تقييم حالة الاتحاد الأمريكي بعد حربين دمويتين أو لجهة أزمة اقتصاد عالمية خانقة غير مسبوقة بهذه الشراسة وهي تطحن كافة التشكيلات الاجتماعية وتنذر بفوضى عالمية. أما خلاصة ما تدعو إليه الدراسة فيقضي بتقديم متغير الأمن على ما عداه من متغيرات أخرى. ولو عاينا أطروحات الحزبين سيتبين لنا أن سياسات الحزب الديمقراطي تتسم بالتركيز على الأمن والاقتصاد والمال، بينما سياسات الحزب الجمهوري انحازت تاريخيا إلى السياسة الخارجية وشن الحروب ودعم كارتيلات التصنيع العسكري والتكنولوجيا الحربية. ومن الواضح والجلي أن الدراسة، بتغليبها متغير الأمن كأساس لاستراتيجية جديدة، تميل إلى التماهي الصريح مع الديمقراطيين. وهذا يدفعنا إلى التساؤل بجدية: هل أعدت الدراسة بناء على طلب من الحزب الديمقراطي أو إحدى وكالاته؟

الحقيقة أنه ما من شيء يثبت خلاف ذلك. بل أن المؤشرات التي تدعم هذا الاعتقاد كثيرة جدا. فالدراسة تؤشر على أن الديمقراطيين يستعدون لتولي السلطة فعليا، وأنهم عازمون على استخدام أقصى طاقاتهم في الوصول إلى البيت الأبيض عبر الكشف المبكر عن استراتيجياتهم المتوافقة مع كونهم أسياد الأمن القومي الأمريكي تاريخيا. وأن الدراسة ستمكنهم من الضغط على الجمهوريين واستمالة الناخبين الأمريكيين للبرنامج الديمقراطي الذي سيعيد لهم أبناءهم من ساحات القتال أحياء بدلا من الأكياس السوداء. وسيكون بمقدور الديمقراطيين مخاطبة الشعب الأمريكي بكل ثقة واطمئنان ولسان حالهم يقول: إنكم وثقتم بدراسات"راند"التي نجحت في اختراق الساحة العراقية؛ وها هي"راند"ذاتها توصي بأن يتقدم"الأمن"على"القوة العسكرية"، فما من عذر لإضاعة الفرصة، لذا عليكم أن تختاروا بين الأمن لأمريكا ولكم ولأبنائكم أو انتظار المزيد من الجثث.

إذن الاعتقاد، بوقوف الديمقراطيين خلف الدراسة أو بتواطؤ"راند"مع الديمقراطيين، أمر وارد فيما يتعلق بالصراع على السلطة. لكن هناك ما هو أكثر من مبرر الانتخابات القادمة، ونقصد بذلك افتراق الحزبين في توجهاتهما السياسية واستراتيجياتهما. وفي السياق ظهر معطى لا نحسب أنه مفاجئ بقدر ما هو مدروس بدقة في المضمون وفي توقيت ظهوره.

المقاربة الثانية

ففي 1/ 8/2008، وبعد يومين من دراسة"راند"بالضبط، صدر تقرير حاسم عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بعنوان:"إستراتيجية الدفاع الوطني". وظهر التقرير كما لو أنه رد عاجل على دراسة"راند"المحرجة للجمهوريين. وإذا كانت الدراسة قد استرشدت بتجارب أربعين سنة مضت فالتقرير، كما أوضح وزير الدفاع روبرت غيتس، جاء كـ:"محاولة لتطبيق الدروس المستخلصة من الحربين اللتين تخوضهما قواته في العراق وأفغانستان"، وهذه إشارة إلى أن الجمهوريين لم يكونوا نيام خلال فترة حكمهم، فلديهم أيضا دراساتهم وتقييماتهم. فالتقرير يخلص إلى الإعلان عن:"إستراتيجية عسكرية جديدة"تضع"الحرب الطويلة"ضد تنظيم القاعدة في طليعة أولوياتها في المرحلة المقبلة. بل ومتقدمة على مخاطر"حرب تقليدية"مع الصين أو روسيا اللتين يتجه التقرير إلى تحييدهما في المرحلة المقبلة وبناء:"علاقات شراكة وتعاون معهما بدلا من اعتبارهما عدوا". ودعا التقرير:"إلى التعاون مع الدول الحليفة والشريكة من أجل المساعدة على تقليص المناطق الخارجة عن السيطرة في العالم"، وبالتالي"حرمان المتطرفين من معاقلهم". وأكثر من ذلك فقد أفاد التقرير:"إن الانتصار في الحرب الطويلة ضد الحركات المتطرفة والعنيفة سيشكل في المستقبل المنظور الهدف المحوري للولايات المتحدة". واعتبر أن:"البيئة الإستراتيجية"التي تواجهها الولايات المتحدة في المستقبل المنظور:"ستحددها مكافحة شاملة لأيديولوجيا متطرفة وعنفية تسعى لقلب النظام العالمي". ومن الواضح أن التقرير بني على استراتيجية القوة العسكرية ولم يحد قيد أنملة عن استراتيجيات الجمهوريين المعتادة بعكس الدراسة التي بنيت على استراتيجية القوة الأمنية.

وبهذا المعنى يسهل الاستنتاج بأن الدراسة ذات دوافع سياسية بحتة أكثر منها استراتيجيات جديدة. فالجمهوريون الذين يبدو أن الدراسة أغاظتهم حتى نخرت عظامهم عجلوا بصدور تقريرهم للتأكيد على استراتيجياتهم التقليدية ذات النزعة العسكرية التي لا تقل تطرفا عن المطحنة الأمنية لدى الديمقراطيين.

ومع ذلك لدينا ما يكفي من المؤشرات للاعتقاد بأن الدراسة لن تؤثر كثيرا في مجرى الانتخابات الأمريكية لاسيما وأن الجمهوريين لم يفرطوا بالأمن ولا بأدواته فيما يخص حربهم على الإرهاب طوال فترة حكمهم، إذ أن تصريح الرئيس الأمريكي بعد هجمات 11 سبتمبر (إما معنا أو ضدنا) لم يكن ليستثن أية آلية عمل ممكنة كالتي ذكرتها"راند"في دراستها مثل:"أعمال بوليسية مخابراتية دقيقة وحريصة، قوة عسكرية (حربية) ، مفاوضات سياسية، عقوبات وتضييقات اقتصادية"، السابقة ولا التعميمات الأمنية ذات الطابع العالمي أو التدخلات الحثيثة أو الاغتيالات الموجهة عن بعد أو افتتاح مكاتب للسي آي إيه أو الإف بي آي في البلدان العربية والإسلامية تقع خارج السياق بما في ذلك دراسات راند السابقة حول احتواء الجماعات الاسلامية سواء في العراق أو خارجه. ولعل الاجتماع الشهير لوزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس مع رؤساء أربع أجهزة مخابرات عربية يقع في الصميم من الفعل الأمني المكثف الذي انتهجه الجمهوريون. فعلامَ يزاود الديمقراطيون، إذن، على الجمهوريين في المسائل الأمنية؟

استراتيجيا الاحتلال الاجتماعي

مع ذلك ليس من الموضوعية التعامل مع الدراسة عبر حشرها في زاوية سياسية وإسقاط مضامينها من أية حسابات حتى لو أنجزت لصالح طرف معين أو بناء على تواطؤ أو أجندة سياسية. إذ تبقى"راند"واحدة من أهم مؤسسات البحث العلمي المؤثرة في القرار السياسي وحتى في الرأي العام. لذا فإن تقصي مفاعيل الدراسة في المدى المنظور ممكن من زاوية المعطى الأهم فيها خاصة ذاك الذي يتحدث، من جهة، عن:"إعادة ترتيب للأولويات"، ومن جهة أخرى عن:"المفاتيح الفعالة"في الاستراتيجية الجديدة. وهذا يعني أن الفشل الاستراتيجي، منذ سبتمبر، ليس ناجما عن استعمال القوة العسكرية بحد ذاتها بقدر ما هو نتاج خطأ في ترتيب الأولويات التي أدت إلى تقدم خيار على آخر دون حساب لمستوى الفعالية.

هنا بالضبط يقع الجديد في الدراسة، وهو ما تريد"راند"قوله في الصميم رغم أنه لم يتم اختباره بعد. إذ أن تَقدُّم الخيار الأمني على الخيار العسكري هو أمر جديد تماما خاصة وأن الديمقراطيين لم يجربوا حظهم في الحرب على الإرهاب منذ وقوع هجمات 11 سبتمبر. إذ خضعوا، كغيرهم من القوى، لسياسة التخويف الجمهورية التي ألجمت الجميع وحبست الأنفاس. ولأنه جديد فما من معطيات قابلة للاستقراء والتحليل. وهذا مؤشر على أن الخيار برمته هو افتراض يحتاج إلى المزيد من الاختبار والتحقق وليس بالضرورة أن يكون صحيحا بناء على تحليلات كمية تاريخية. بل أن المزج بين المسألة الأمنية والمفاتيح الفعالة ليس جديدا إلا إذا اعتمد كأولوية استراتيجية كما تطرح الدراسة. وحينها فقط علينا أن نتوقع مولد كارثة ستحل بمناطق التدخل الأمريكي.

فالمتمعن في الدراسة سيخرج بانطباع متين أن حربا ضروسا من نوع مختلف قادمة ولا شك، وأيا كانت المبررات والحيثيات فالأكيد أنها حرب مقلقة على كل صعيد بما أنها ستستهدف الفرد والمجتمع والدولة التي ستتعرض إلى ضغوط مكثفة ستقلص من هوامش حراكها الداخلي بحيث تشعر أنها باتت مهددة كلما غدت مؤسساتها مستباحة للاستراتيجيات الأمريكية وهوى صناع القرار في البيت الأبيض. فالجيوش وأجهزة الأمن والشرطة ستنتقل من حالة التعاون بين الدول، في أحسن الأحوال، إلى مجرد أدوات تنفيذية للسياسات الأمريكية. وإذا ما نفذت الاستراتيجية الجديدة، بهذه الطريقة، وهي واقعة جزئيا على كل حال، فستمارس الولايات المتحدة نوعا جديدا من السيطرة والاستعمار لم تشهده البشرية من قبل. لأننا سنكون على موعد ما يمكن تسميته بـ:"الاحتلال الاجتماعي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت