فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 167

د. أكرم حجازي

المتأمل بحال الشعب الفلسطيني هذه الأيام حيث ذكرى النكبة تتجدد عاما بعد عام تستحضره أحداث تاريخية تعيد نفسها وكأن شيء لم يتغير، ولكن بصفاقة عز نظيرها. ففي زمن اندلاع الثورة الفلسطينية الشاملة ما بين سنتي 1936 - 1939 ظلت المؤامرات تترصد الثورة حتى أجهضتها عن بكرة ابيها متذرعة بوعود"صديقتنا الغالية بريطانيا"و"عدالتها"، فما كانت إلا بضع سنين حتى ضاعت أغلب الأراضي الفلسطينية وشرد القسم الأكبر من الشعب الفلسطيني.

في زمن الثورة تلك اعترف البريطانيون واليهود على السواء أنها مثلت أخطر تحد محدق بالمشروع البريطاني الساعي لإقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين. أما القوى المتآمرة من العرب على الشعب الفلسطيني فراحت تروج في صحفها ووسائل إعلامها لمقولة ما زال صداها يتردد حتى الآن في آذان الشعب الفلسطيني المتهم تاريخيا ببيع أرضه لليهود إلى أن جاءت الولادة العسيرة وشبه المستحيلة لتغريبة وليد سيف لتخفف من وطأة الكذب والتزوير الذي نجحت أطراف عربية في زرعه بين الشعوب وهي ذاتها المتهمة بالوثائق الدامغة والمحفوظة حتى في الأراشيف العربية والتركية والصهيونية وحتى أرشيف جامعة الدول العربية بالتآمر على الشعب الفلسطيني.

وبعد كل بحار الدم والنضال والأحزان والمرارات والقهر اليومي واللحظي والتضحيات الجسام لا يزال العرب يتعاملون مع الفلسطينيين، كما قال المرحوم صلاح خلف في مذكراته (فلسطيني بلا هوية) ، وكأنهم أناس موبوؤون بالطاعون.

فلقد تخلى كلهم أو أغلبهم عن القضية الفلسطينية، وحجتهم في ذلك"نقبل بما يقبل به الشعب الفلسطيني"، ولا يخفى على أحد أن هذه أسهل عبارة مكنتهم من إدارة الظهر للفلسطينيين وللقضية الفلسطينية. في الوقت الذي لا توجد فيه دولة عربية واحدة بريئة من الكارثة التي حلت بالشعب الفلسطيني سواء بقصد أو بجهل. فقد هالني موقف امرأة عربية مسنة وهي تتفاخر بجهالة ببني شعبها أنهم كانوا رجالا صناديد حين طردوا عشرات آلاف اليهود من بلادهم بعد أن أعلن قيام دولة لهم في فلسطين، وجرى بيني وبينها هذا الحوار:

قلت: أين ذهبوا؟

قالت: إلى إسرائيل.

قلت: وماذا حل بالفلسطينيين؟

قالت: هربوا من بلادهم.

قلت: لو كان رجالكم صناديد حينها لما سمحوا لهم بالخروج ولما تشتت الفلسطينيون، فقد خرجوا من بلادهم ليحتلوا بيوت الفلسطينيين. عندها أدركت فداحة ما حصل ليهود بلادها وصمتت على مضض لا تدري ما تقول.

في هذه الأيام يصادف أن يتساءل الفلسطينيون عن عجيب موقف أشقاءهم العرب: لماذا لم يقبلوا بما قبلنا به حين انتخبنا حركة حماس لقيادتنا؟ بينما نراهم يقبلون بما تقبل به إسرائيل وأمريكا وأوروبا؟ لا شك أن الفلسطينيين يعون بأنهم يدفعون ثمن اتفاقات جرّت الويلات عليهم، ويفهمون أنهم يواجهون عدوا أقل ما يريده منهم أن يرحلوا عن بقايا بلادهم، ويعلمون أنهم في وضع حرج ومأزق تاريخي، ويدركون أنهم باتوا لقمة سائغة بعد أن تخلى عنهم العالم الذي كان سببا في مصائبهم، ولكنهم لا يستعجبون كيف يطلب منهم الأشقاء وبعض الأخوة أن يتنكروا لما تبقى لذواتهم أو لكينونتهم أو لحقوقهم. فبأي حق يقول البعض أن هناك اتفاقات موقعة، والعالم يعترف بها وعلى الحكومة الفلسطينية أن تفهم"أننا لا نستطيع أن نكون خارج القانون الدولي، لأننا شعب محتل الأرض وضعيف والعزلة تقتلنا"؟ وكأن الفلسطينيين كانوا في يوم ما في قوة وبأس، ويتناسى هؤلاء أن الشعب الفلسطيني كان في وضعية لا تقارن على الإطلاق من حيث القوة والكرامة والأوراق السياسية الرابحة قبل توقيع اتفاقات الذل والهوان والإذلال والقهر الذي خلفته أوسلو.

لنقل بصراحة ما يلي:

• على العالم أجمع أن يعلم أن الفلسطينيين هم أصحاب قضية سياسية عادلة ومظلمة تاريخية إنسانية وأخلاقية وليس قضية أمنية. وأنهم شعب أصيل تعرض لسرقة وطن على مرآه وبفعله، وأن تحويلهم إلى عرق منبوذ ومطاردتهم لعقود طويلة وقتلهم وذبحهم واعتقالهم وتشريدهم والحط من كرامتهم وتحقيرهم والاستعلاء عليهم لن يفضي إلى أية نتيجة تذكر.

• وعلى الغرب ممثلا بالولايات المتحدة تحديدا كونها الراعي الأول والحامي الأعظم لإسرائيل أن يدركوا أن المساعدات التي يتلقاها الشعب الفلسطيني منهم ومن غيرهم ليست منة منهم، ولا امتيازا يمكن أن يتوقف أو يستمر أو يجري التلاعب به، فللفلسطينيين حقوقا لم يحن أوان المطالبة بها بعد، ولكنهم لا ولن يتنازلوا عنها، وليعلموا أن الفلسطينيين وأشقائهم من العرب المخلصين والمسلمين لن يمارسوا ابتزازا ضد الغرب كما تفعل إسرائيل حاليا ولكنهم سيطالبون، في حين من الزمن، كل الجناة بحق الشعب الفلسطيني، القريب منهم قبل البعيد، بالتكفير عن ذنبه وجرائمه ودفع ثمن كل أذى تعرض له الفلسطينيون أرضا وشعبا وبيئة وجغرافيا وتاريخا وثقافة.

• وعلى كل الذين يشاركون، مرغمين أو مختارين، في الحصار المجرم ضد الشعب الفلسطيني في هذه الأيام وغير المسبوق على أي شعب في التاريخ الإنساني أن يتوقفوا عن الابتزاز السياسي ويراجعوا مواقفهم قبل أن يتسببوا بكارثة مدمرة ككارثة النكبة.

• على الجميع أن يعي جيدا أن الحصار وحملات الحقن السياسي والإعلامي وقلب الحقائق واستعمال اللصوص والمجرمين والعملاء في التحشيد لإسقاط الحكومة المنتخبة قد فشلت فشلا ذريعا كون الفلسطينيون يدركون في الصميم أن قضيتهم وحقوقهم باتت هي المستهدفة بشكل مخز وفاضح ومقرف وليس الحكومة لأنهم يتساءلون ببساطة: لماذا لم يفاوضوا الرئيس الفلسطيني لما عين رئيسا للحكومة وانتخب فيما بعد رئيسا ولم تكن حماس في السلطة؟ ولماذا لا يفاوضوه الآن وقد سمحت الحكومة بذلك إن كانوا جادين فعلا بتهدئة الأمور وتحقيق العدل ورفع المظالم عن الشعب الفلسطيني؟

• وأخيرا على الجميع أن يعلم إن شاء له ذلك أن الوضع على الأرض مختلف كل الاختلاف عن حملات التشهير المحمومة ضد الحكومة، فلماذا المراهنة على الأحصنة الخاسرة؟

بقي أن نقول أن القضايا الكبرى في الصراعات الدولية ليست مهزلة يمكن أن يتلاعب بها هذا أو ذاك، كما أن الشعوب ليست بالغباء الذي يمكن أن يتلذذ ه أعداؤها، فلكل سياسة دنيئة ومجرمة ثمن ينبغي أن يدفع، وعلى المجرمين أن يدركوا ذلك.

نشرت بتاريخ 03 - 03 - 2009

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت