فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 167

د. أكرم حجازي

تأبى عصابات القتل والإجرام التاريخي والإنساني ضد بني البشر مجرد تمثل الصفات الإنسانية التي ميز بها الله خلقه من البشر ناهيك عن الاعتقاد بالنفس السوية أو حتى التفكير بمزايا النفس التي خلقها رب العباد ورب الأرباب وكرمها وجعلها في أحسن تقويم ... تأبى هذه القوى الغاشمة إلا أن توغل في القتل الذي اعتادت عليه وتميزت به كأحد المكونات البنيوية لنفسيتها الشرهة المجنونة اللاأخلاقية واللاإنسانية التي سبق وقدم أحسن وصف لها الفيلسوف الانجليزي شكسبير في رائعته"تاجر البندقية".

هذه النفس الدنيئة التي لا تستكين لها نشوة نجسة ولا يهدأ لها بال إلا بكثافة الدم المتدفق من بني البشر حصرا ومن صنف عزيز على قلوبهم. ولأن نشوتهم لم تكتمل بعد باغتيال القائد المجاهد جمال أبو سمهدانة حتى أشعلوها حربا مجنونة ضد بني البشر من الأطفال والنساء والرجال والشيوخ، فكيف يشفي الشهيد أبو سمهدانة غليلهم وهو الرجل العسكري الفذ والصلب الذي أخذ بثأره منهم عشرات المرات وبشكل مهين، وكيف يبلغوا نشوتهم بقتل رجل محبوب وحبيب للشعب الفلسطيني مثلما كان حبيبه أبو العبد القوقا، فمثل هؤلاء الشهداء يظلون أحياء برغم أنف القتلة ويحظون بحب الله وحب البشر الذين تدفقوا بعشرات الآلاف يشيعون جثمان الشهيد وإخوته الذين سقطوا معه، ولأنهم قتلة فلم تكتمل نشوة القتل لديهم والتي عكرتها هيبة الحدث الجلل لرجل عظيم فراحوا يفتشون عن الأطفال والنساء يوغلون بهم قتلا وتمزيقا وعويلا وصياحا يشفي صدور قوم لا يشبع نهمهم قتل القادة والأنداد بقدر ما يتلذذون بآلام الأطفال وصراخهم ورهبتهم.

نقول أنهم قتلة لأننا لم ولن نجد مثلا مبررا واحدا سوى الحقد والرغبة في القتل لضابط برتبة نقيب يفرغ رشاشه بجسد طفلة لا يتجاوز عمرها ثلاثة عشر عاما بعد أن قتلها ثم تبرؤه محاكمهم العسكرية ذات النفس العدوانية الشريرة إياها؟ ولأننا نتساءل دوما: ما الذي يبرر قتل الأجنة والأطفال والنساء والشيوخ وكل آدمي في دير ياسين؟ وما الذي يبرر هجوم الطائرات على مدرسة بحر البقر الابتدائية عن سبق إصرار وترصد وسياسة مدروسة وممعنة في القتل؟ وما الذي يبرر الهجوم على مقر القوات الدولية في لبنان لما احتمى مئات اللبنانيين من سكان قرية قانا في المقر؟ وما الذي يبرر تسهيل القوات الإسرائيلية لميليشيات القتل اللبنانية دخول المخيمات اللبنانية وتنفيذ أعظم مجازر القرن العشرين بحق السكان بطريقة لا يمكن لنفس بشرية تحملها إلا من صنف نفسية منفذي مجزرة السودانية؟

كم من مرة علينا أن نسأل ونتساءل إزاء المبررات التي تسمح للقتلة بارتكاب جرائمهم دون حسيب أو رقيب؟ وكم مرة علينا التنديد والاستنكار ونحن نعلم أن ما من مجيب ولا من مغيث إما خوفا وإما طمعا بالمزيد؟ ومن هو القادر على إدانة إسرائيل؟ ولماذا يدينها؟ فلما ارتكبت مجزرة مخيم جنين وعلم القاصي والداني بها استبق شمعون بيرز كل الزوار والمتحدثين وقال بالحرف الواحد على فضائية عربية وهو ينظر باتجاه مخيم جنين المحاصر:"أعتقد أن مجزرة كبرى تجري هناك"، وبعد انتهاء المجزرة قال تيري رود لارسن:"يبدو أن المنطقة تعرضت إلى زلزال"، ثم جاءنا السيد كولن باول وزار المكان وخرج وقال أحلى الكلام:"لا أرى أي آثار للمجزرة"بينما أشاد رئيسه بكبير القتلة ومنحه صك الغفران العظيم:"شارون رجل سلام"!؟ ويا له من سلام! لم يتوقف إلا بارتكاب مجزرة أخرى بحق لجنة تقصي الحقائق التي دفنت علانية مع شهداء جنين. ولماذا نبتعد كثيرا فها هو المتحدث الأمريكي يرى في الجريمة حقا لإسرائيل في الدفاع عن نفسها!

إنهم يفعلون ذلك لأنهم قتلة ليس فقط منذ دير ياسين أو قبية أو صبرا وشاتيلا أو قانا أو جنين أو بحر البقر ... وليس فقط منذ قتلهم الأسرى ونبشهم القبور وسرقة الشهداء وممارسة الاغتيال والغدر والكذب والتزوير والتهديد والحصار وقتل الأنبياء والاعتداء على الطبيعة والبيئة ومخلوقات الله من الحجر والشجر والتراب والرمال والحيوانات والمخلوقات الربانية ... وليس فقط منذ الاعتداء على المقدسات وحرقها والتهديد بقصفها وتحويل العشرات منها إلى حانات ومراتع للفجور ... وليس فقط منذ قتل الناس وهم يتعبدون لربهم في الحرمين الإبراهيمي والقدسي ... وليس فقط منذ مجازر العمال في كفر قاسم وعيون قارة وغزة ... بل منذ مسخهم الله وجعل قلوبهم أشد قسوة من الحجارة وحرمهم من نعمة لين النفس ومن صفاتها الحميدة وجعلها نفسا منحطة لئيمة لا مشاعر لديها ولا أخلاق إنسانية، نفس لا تقتات إلا على الدم وهو ما يؤذي النفس وتقشعر له حتى أبدان المجرمين.

بعد هذا يستغرب المنافقون إن في عالمنا العربي أو في بقية أنحاء العالم لماذا يكره الناس اليهود؟ ويتناسون أن تاريخ اليهود في شتى بقاع الأرض منذ الأزل وحتى الآن هو تاريخ من الدم والمجازر بسبب تصرفاتهم واستهتارهم ومؤامراتهم ضد البشر وخياناتهم وغدرهم حيثما يكونون. هم يعرفون ذلك ونحن نعرف والغرب يعرف مثلنا وأزيد ولكنهم منافقون والتاريخ لا ينافق.

إذا لم يكن لإسرائيل من مبرر لارتكاب جرائمها، إلا ما تبيته من غدر لا ندري كنهه حتى الآن، فللقسام وغيرها كل الحق في الرد على هذه الجرائم أيا كانت نوايا إسرائيل. فالشعب الفلسطيني يتعرض الآن لعمليات قتل مباشر بدون مقدمات بصغاره وأطفاله وكباره رجالا ونساء، وحق للطفلة التي هامت بصراخ هستيري تبحث عن والديها لنجدتها أن تجد من يغيثها لاسيما وأن أحدا لم ولن يسمعها لا من العروبة ولا من العالم المنافق الذي استسلم للقتلة وسياساتهم.

نشرت بتاريخ 03 - 03 - 2009

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت