د. أكرم حجازي
قال لي احد المواطنين:"إذا كان الخاطفون للجندي صادقين فعليهم بتفتيته وتصوير عملية قتله ومن ثم بثها على الفضائيات ومواقع الانترنت ليفهم أولمرت وغيره من المتآمرين أن يهودي مسخ لا يمكن أن يساوي في أي حال نعل أسير من أسرانا، فدماءنا ليست رخيصة حتى نبادل جندي مفعوص بمئات الأسرى". فقلت له: أن المسألة لا تقاس بهذا المعيار بل بالجهد الذي يبذله كل طرف في إيقاع الخسارة بالطرف الآخر، وهذا الجهد يقاس بمعيار القوة أو القدرة وليس بمعيار كمي أو قيمي. إذ أن إسرائيل لها من القوة والقدرة على مسح قطاع غزة من الوجود وشن حروب عاتية قد لا تضطر فيها إلى خسارة جندي واحد بسبب ما تملكه من تكنولوجيا وعناصر للقوة باتت غير قادرة حتى على تحمل حياة طفلة فلسطينية تستجم مع عائلتها على شاطئ البحر فكيف بها تتحمل اختراق قاعدة عسكرية حصينة وفي قلب عرينها وإلحاق الأذى بجنودها وكرامتها وفوق كل ذلك خطف جندي وعودة المهاجمين به إلى قواعدهم؟
الجريمة التي ترتكبها إسرائيل الآن في غزة هي جريمة حرب منظمة ضد المدنيين وضد الحق وضد الشرعية وضد الأخلاق الإنسانية التي يفتقدها بني صهيون بحجة إعادة الجندي المخطوف إلى أهله سالما ومعافى، هذه الجريمة ترتكب على مرأى من العالم العربي والإسلامي والدولي الذي يمكن له أن يتحمل مئات المجازر والمذابح بحق الفلسطينيين ولا يمكنه على الإطلاق تحمل أنة من أنات اليهود.
والحقيقة التي يعرفها الجميع وفي مقدمتهم المنافقون والعاجزون أن الجريمة مخططة ومدبرة لطحن قطاع غزة والشعب الفلسطيني وإجباره على الاستسلام رغم أنفه وأنف العالم والقضاء المبرم على عقلية المقاومة لديه إلى الأبد، وبما أن إسرائيل لتنفيذ احتلال لغزة كل يوم، فقد أتاحت لنفسها فرصة قد لا تتوفر لها في وقت لاحق بسهولة، ومن العبث الاعتقاد بأن الحشود العسكرية الهائلة بكل آلة الدمار المدججة بها استنفرت لجندي ولم تستنفر مثلا لمستوطن نابلس الذي أسرته لجان المقاومة الشعبية وهددت بقتله دون أن تلقى آذانا صاغية من إسرائيل المشغولة حقيقة بمخططاتها الإجرامية وليس بقتلتها، وفي السياق تذكرنا هذه المذبحة القادمة بجرائم إسرائيل التي نفذها رئيس الحكومة مناحيم بيغن سنة 1982 في لبنان على خلفية زعم مماثل تقريبا قال في حينه: بأن منظمة التحرير ستكون مسؤولة عن مقتل أي يهودي في العالم. وفعلا كانت محاولة اغتيال القنصل الإسرائيلي في لندن مبررا لغزو لبنان واحتلال عاصمة عربية وارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية لم نشهد مثيلا لها إلا في الحرب العالمية الثانية.
لذا ستعمل إسرائيل من دخولها إلى غزة، وبلا تردد، على ارتكاب أبشع المجازر وأشدها، وعلى تنظيف الساحة من مئات المجاهدين أفرادا وقيادة على حد سواء وتدمير شامل للبنية التحتية وزرع الشقاق داخل الصف الوطني وتسهيل مهمات عملائها لاحقا. وما ينبغي التأكيد عليه أن إطلاق الجندي الإسرائيلي لن يغير أبدا من خطط إسرائيل وما عزمت على تنفيذه.
ولكن ما لم تفهمه إسرائيل ولا غيرها بعد أن الجندي المخطوف لن يكون بمتناول يدها لا حيا ولا ميتا، فمتابعتنا للحدث تشير بما لا يدع مجالا للشك أن أحدا من القيادات الفلسطينية صغيرا كان أم كبيرا، فصيلا أو جناحا مسلحا، ليست له أية علاقة ولا يمتلك أية معلومات كانت لا عن العملية التي نفذتها الأجنحة الثلاثة ولا عن أفرادها ولا عن طبيعتها ولا عن التخطيط لها. ولا أحد يدري أو يعلم أية معلومات عن الجهة التي تحتفظ بالجندي وبالتالي ففاقد الشيء لا يعطيه.
فالعملية التي نفذت كشفت عن درجة من السرية الهائلة التي تمتع بها المخططون والمقررون والعاملون والمنفذون بطريقة غير معهودة سابقا ولمدة شهور متتالية، كما أنها كشفت للمرة الأولى عن ولادة جماعة مسلحة جديدة هي جيش الإسلام فضلت التواجد في الساحة الفلسطينية عبر عمل نوعي وشديد البأس، وهي جماعة ذات شعار جديد بالأمس قالت أنها ستصدر بيانا لاحقا يعرف عنها، وفي بعض منتديات الانترنت شاع بين الأمس واليوم هذا البيان التوضيحي المنسوب للجماعة:
ومن الواضح أن الجماعة ذات توجه إسلامي جهادي يحاكي فكر التيار السلفي الجهادي ولكنه ليس أحد تنظيمات القاعدة كما يشيع مسؤولون إسرائيليون، كما أن منتدى آخر أكد أنه ليس تنظيم القاعدة، والحقيقة أن المشكلة ليست إن كان أحد تنظيمات القاعدة أم لا؟ وهو ما نستبعده، بل أن المشكلة التي ستواجه إسرائيل هي وغيرها تكمن في انضمام"جيش الإسلام"إلى جناحين مسلحين ومعروفين، فإذا كان أحد تيارات القاعدة فما هو المبرر الذي يجمعه بأجنحة مسلحة فيها الكثير من التيارات الأيديولوجية؟
لا شك أننا إزاء احتمالين أحلاهما أشد مرارة من الدفلة بالنسبة لإسرائيل:
• فإما أن الكتائب شهدت تحولا فكريا عميقا نحو الفكر السلفي الجهادي.
• وإما أن السلفية الجهادية تمكنت كأيديولوجيا وليس كتنظيم من اختراق التنظيمات الفلسطينية على مستوى الأفراد وهو ما سيشكل ضربة موجعة لإسرائيل ولغيرها لأن البحث الآن عن هؤلاء الأفراد لن يكون بمثل سهولة البحث والتربص بأعلام سياسيين أو عسكريين.
وفي كلتي الحالتين ثمة مشهد جديد وخطير في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا يبدو أنه باستطاعة أحد وقفه، لهذا نقول أن فرص إسرائيل في استرجاع الجندي المخطوف مجانا تبدو في أضعف حالاتها منذ زمن بعيد، والأسوأ أن فرص الوساطة في النجاح تبدو مقيدة بشدة من حيث الجهة التي يمكن التوجه إليها وممارسة الضغط عليها، فهذه المرة ليس بوسع أحد ممارسة ضغوط أو تهديدات.
وعلينا أن نسجل ملاحظة بالغة الأهمية، وهي أن العملية تقررت وخطط لها ونفذت في الوقت الذي تتصارع فيه القيادات السياسية على وهم اسمه السلطة والصلاحيات بينما القوى المتنفذة والعاملة بسرية بالغة الشدة استطاعت أن تقلب الطاولة على رأس الجميع في الداخل والخارج وتبعث برسالة صارمة تذكر الجميع ومن يتلاعبون بمسار القضية الفلسطينية أن استمرار المقاومة أو مصارعة إسرائيل ليست بيد أية قوة سياسية أو أمنية محلية كانت أو إقليمية أو دولية. كما أعادت للشعب الفلسطيني وللجميع وحدته وأحيت الأمل باستعادة الكرامة والهيبة وعنفوان التحدي وكسر الغطرسة الصهيونية، بل وتحطيم كرامة الجيش بصورة لم يسبق لها مثيل في استهدافه بعقر داره وليس باستهداف مدنيين.
لذا على الجميع أن يتحضر لقابل الأيام بما في ذلك الأجنحة المسلحة لكافة الفصائل، فثمة فرصة كبيرة لالتقاط الأنفس، وثمة فرصة مماثلة للنظام السياسي العربي ولكل الذين أرعبتهم وفتكت الولايات المتحدة وإسرائيل بأنفاسهم، فالمعادلة الآن تقوم على عسكري مقابل عسكري، وأسير مقابل أسرى وهو الوضع الطبيعي الذي يجري بين الدول المتحاربة على مر التاريخ كما يقول رافي إيتان أحد مسؤولي أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية سابقا.
نشرت بتاريخ 03 - 03 - 2009