فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 167

د. أكرم حجازي

لا شك أن المتابعين للشأن العراقي قد أصيبوا بالذهول من سرعة ظهور المقاومة ضد جحافل القوى الغازية، فما أن سقطت بغداد وتلتها المدن الأخرى الواحدة تلو الأخرى حتى بدأت المقاومة العراقية بشن هجمات صاعقة على القوات الأمريكية، ومن الطريف أن نلاحظ هذه الجرأة في مواجهة أعتى القوى التدميرية والعنصرية في العالم. وهي جرأة تكشف بوضوح عن براءة الشعوب وتحللها من أية عوائق وعزمها بلا تردد على استرجاع حقوقها من الغزاة والمحتلين.

أليس مثيرا أن تنفجر أطياف المقاومة في العراق عن بكرة أبيها منذ بداية الاحتلال وليس بعد سنين منه وهي تواجه عشرات الدول التي تحتله عسكريا مستخدمة كل ما أنتجته تكنولوجيتها من قوة ودهاء؟

إنه أمر حقا مثير ومحير، ولكن ما هو كائن يزيل بعض الحيرة كتوفر السلاح خاصة والاستعداد للقتال. هكذا غدت أمريكا تئن تحت تأثير الصداع العراقي الذي بات مزمنا وتضطر وبريطانيا للتفكير جديا في الانسحاب من العراق ودون أن تخلف وراءها قواعد عسكرية، وقد تضطر إلى القيام بانسحاب مفاجئ للتخلص من كابوس المقاومة الذي يبدو أنه كان نتاجا لحسابات استراتيجية خاطئة مئة بالمئة. كما تضطر أمريكا للإعلان الصريح عن وجوب توظيف التكنولوجيا والعلم للبحث عن مصادر جديدة للطاقة حتى لا تبقى أسيرة للنفط التقليدي. ولا يخفى على أحد عشرات التصريحات الأمريكية والغربية وسيول المناقشات اليومية التي تتحدث عن الخطأ والخطيئة في احتلال العراق وعن الورطة التي وقعت فيها وعن أكذوبة مستوى الأمن في العالم بدون صدام حسين وعن أكاذيب ما كان الأمريكيون وحلفائهم ليعترفوا بها لولا الأذى اليومي الذي تلحقه بهم فصائل المقاومة العراقية والقوى السياسية المناهضة للاحتلال.

لقد فعل الفلسطينيون واللبنانيون تماما ما يفعله العراقيون، وتشابهوا جميعا وعانوا من المواقف العربية والحصار المضروب عليهم وعلى حقوقهم في مقاومة الاحتلال، ولكنهم في نفس الوقت تعرضوا ولما يزالوا للشماتة والدونية لأن بلدانهم غزيت أو اغتصبت أو احتلت، ولم يعد سهلا على أحدهم أن يفلت من المراقبة والملاحقة والاعتقال والتنكيل به والتضييق عليه بدعوى أنه قضية أمنية تضر بالمصالح العليا للدول المضيفة له، ويحرمون من إبداء الدعم والتأييد لشعوبهم أو حشد عناصر القوة للضغط على قوى الاحتلال. فليس مسموحا لهم بالتظاهر ولا بالنقد ولا بتقديم العون المادي ولا هذا ولا ذاك.

ففي فلسطين أنت متهم بدعم أسر الشهداء والأسرى والجرحى بدعوى أنهم إرهابيون، وأنت متهم بإنشاء جمعية خيرية أو جمعية إغاثة يخشى من تمويلها للإرهاب، والحكومة الفلسطينية هي منظمة إرهابية وقبلها الرئيس الفلسطيني الراحل، وباختصار مهاجمة الاحتلال من الداخل أو الخارج هو عمل تخريبي مثلما أنه مخل بالأمن والاستقرار حتى انتهينا إلى وصف كل عمل مقاوم بالإرهابي، بل أن مقاومة الشعوب المضطهدة والمحتلة والمصادرة حقوقها للاحتلال بعرف الولايات المتحدة وحلفائها هو عمل إرهابي بامتياز كما قال الرئيس جورج بوش في خطابه أمام الأمم المتحدة عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر. أما استخدام أعتى الأسلحة التدميرية في الغزو والقتل والاحتلال والتشريد فهو عمل من المفترض أنه مشروع طالما أنه يصدر عن القوى العظمى!

إذا كان على الشعوب أن تصمت لفائدة السياسيين ومنحهم الفرصة فهذا حسن، ولكن لما تؤول الفرصة إلى سياسة لا أفق لها ولا هي قادرة على حماية نفسها ولا تحصيل حقوق شعوبها وتخليصها من القهر والاحتلال فهذا يعني في أضعف الإيمان فشلا ذريعا إن لم يكن تخاذلا وتواطأ.

فليست أمريكا ولا إسرائيل هي تلك الغيلان التي بمقدورها افتراس أي شيء، فإذا كانت أمريكا في ورطة من غزوها العراق بسبب شدة المقاومة وإصرارها على إخراجها فالمدهش حقا أن إسرائيل لم تحتمل مجرد عبوة متفجرة هنا أو هناك، ولم تحتمل إطلاقا مسألة تسرب السلاح إلى الداخل الفلسطيني خشية الإخلال بما تعتبره توازن القوى، فكيف لو استطاع الفلسطينيون تسليح أنفسهم كما هو حال حزب الله في لبنان أو المقاومة في العراق؟ والسؤال الأدق: من الذي يمنع تسليح الفلسطينيين؟ ومن الذي يخيفهم؟ ولماذا يخافون وهم يعلمون أنه ليس من مصلحة إسرائيل توسيع حدودها وهي التي تعيش في عقلية الغيتو تطوق نفسها بالخطوط والحدود والجدران والمستوطنات؟ بل من الذي يصر على حرمان فلسطين من السلاح وإبقائها تحت الاحتلال؟

في خضم انتفاضة الأقصى وعنفوان القتل والتدمير والحصار الإسرائيلي وإعادة احتلال الضفة الغربية سئلت امرأة فلسطينية على إحدى القنوات الفضائية العربية: ماذا تريدين من العرب؟ فأجابت: لا نريد مالا ولا طعاما ولا مساعدات ولا إغاثة. كل ما نريده سلاحا. أحسب أن هذه المرأة لا يقل فهمها لشروط التحرر عن فهم أعتى العسكريين العرب وغير العرب، فلماذا لم يصل؟ ومن الذي يمنع وصوله؟

نشرت بتاريخ 03 - 03 - 2009

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت