فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 167

بين تلميحات الظواهري وتهديدات البغدادي

إيران تحت الحصار!

د. أكرم حجازي

اعتاد الباحث والمراقب أن يرى في السلفية الجهادية صرامة في أدائها الإعلامي الذي يكشف عن بعض التوجهات والمواقف إزاء الأحداث الجارية، والثابت أن هذه الخطابات التي يقدمها بعض من رموز السلفية الجهادية لعبت دور المتنفس الوحيد في مراقبتها وفهمها لاسيما وأنها غالبا ما بدت عملة نفيسة تترقبها وسائل الإعلام، بلهفة، وتتسابق عليها.

لكن في التقييم الإجمالي لسلسلة ليست بالقليلة من الخطابات، على ما فيها من مواقف مبهرة، بتنا نلحظ نوعا من التكرار الذي يسلط الضوء دوما على قضايا معينة غدت مألوفة وكفيلة بتعطيل هيبة الخطابات التي بدت متماهية في أدائها الإعلامي مع أي تنظيم آخر إلى درجة سمحت للكثير من الخصوم بتوصيفها بالخطابات العبثية تارة والمشينة تارة أخرى، وكأن السلفية الجهادية لم يعد لديها من قضايا أخرى تهتم بها إلا هذه القضية أو تلك. وبالتوازي مع ذلك نلحظ حسما في خطابات أبي عمر البغدادي أمير دولة العراق الإسلامية لجهة العلاقة بإيران بالرغم من كم الغموض الذي ميز الخطاب الأخير له"وَإِن تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ"، هذا الغموض يبدو في كثير من الأحايين، في بعض مضامينه، كالطلاسم التي تحتاج إلى جهد كبير في تفكيكها، وكأن الخطاب برمته مجرد رسالة تحذير موجهة إلى شريحة أو جهة معينة وليس إلى عامة المسلمين والمجاهدين كما جرت العادة.

ومع ذلك فمن الصعب قبول الفرضية القاضية بأن السلفية الجهادية أفلست وباتت تسعى إلى الحضور الإعلامي أكثر مما تقدم خطابا جديدا أو أن خطابات الظواهري، مثلا، باتت ممجوجة لا تقوى على الصمود ولو في فضائية عربية، خاصة وأننا لم نألف في القاعدة ولا في السلفية الجهادية حرصا على الظهور لملاغاة وسائل الإعلام أو الرغبة في التعبير عن كينونة وطنية أو إعلامية أو أيديولوجية من نوع"نحن هنا"! فليست السلفية الجهادية هكذا، ونحسب، من واقع الخبرة والتخصص، أنها لن تكون من هذا النوع أبدا، وإلا فهي المؤشرات الأولى على الزوال.

إذن ما هو الجديد؟ والسؤال الأهم: لماذا يكتفي الظواهري بالتلميح في نقد إيران بينما يهدد البغدادي بإعلان الحرب؟ لنبدأ أولا بالوقوف سريعا على تحولات الخطاب السلفي في ضوء بعض خطابات الرموز قبل معالجة الإشكال مع إيران.

أولا: من الحدث الجهادي إلى الحدث الاجتماعي

في الحقيقة، وفي كل مرة نحلل فيها خطابات الظواهري كنا نجهد ونحن نفتش عن الجديد كي نقع عليه. أما هذه المرة، وعبر ثلاثة خطابات متوالية - إحداها مقابلة وثائقية، فقد كان ملفتا للانتباه ملاحظة بعض التحولات في خطاب السلفية الجهادية بناء على معطيات أمكن رصدها وتجميعها في مناسبات خطابية متعددة ومتنوعة المصادر.

فمنذ بداية العام الجاري لوحظ أن قضايا الإخوان المسلمين في العالم عامة وحركة حماس خاصة وما يسميه الظواهري بـ"فقهاء السوء"و"تجار الدين"باتت من أبرز أبجديات الخطاب الصريح لزعماء القاعدة. فقد وردت هذه القضايا الثلاث في خطابات ومقابلات العديد من الرموز كالظواهري وأبي اليزيد المسؤول الجديد للقاعدة مع مؤسسة السحاب والشيخ عطية الله في مقابلته الأولى مع مركز اليقين الذي ظهر مؤخرا ومع أبي يحيى الليبي. وبالتأكيد فالتركيز على هذه القضايا يعني أنها هدف مشروع للسلفية الجهادية كما لو أنها عقبة في طريق العبور إلى القضايا الكبرى التي تدافع عنها السلفية الجهادية كالحاكمية وتجنيد المسلمين لقتال الأعداء الصائلين في بلاد المسلمين ونصرة الجهاد بدلا من نصرة الأعداء أو الأنظمة الحاكمة. أما فيما يتعلق بحماس تحديدا فإن تسليط الضوء عليها وتعريضها للنقد الشديد والمكثف يقع في أكثر من سياق بدء من الخشية عليها من الانزلاق في دهاليز السياسة والشرعية الدولية وما إلى ذلك ومرورا بتعرية مواقفها الجديدة عبر ممارسة الضغط الجماهيري على قياداتها السياسية للحيلولة دون اندفاعها بسياسات غير محسوبة وانتهاء بالعمل على تحصين قواعدها المسلحة وحمايتها من الزج بها في أتون الصراعات السياسية عبر تقديم السلفية الجهادية نفسها كطوق نجاة لها إذا ما تعرضت لضغوط القيادة السياسية.

كما لوحظ على السلفية الجهادية توجهها إلى الخطاب السياسي والاجتماعي على غير العادة. فالقاعدة مثلا جماعة لا تقيم كبير وزن في نشاطاتها للقضايا الاجتماعية ولا السياسية بقدر ما تركز على الجهاد كأداة أساسية في تحقيق أهدافها. بطبيعة الحال تقرأ الجماعة الواقع السياسي وتدركه جيدا ولكنها ليست معنية بالتعقيب على حدث ذو طابع سياسي له أهله وناسه. وفي السياق يلفت الانتباه، فعلا، تعقيب الظواهري على تكريم ملكة بريطانيا لسلمان رشدي، كما يلفت الانتباه الخطاب الخاص الذي سبق وألقاه أبو يحيى الليبي عن مأساة ما اشتهر بقضية أطفال الآيدز في ليبيا. ومن الصحيح أن المناسبتين وغيرهما استغلتا في تحريض المسلمين على الجهاد وبيان حقيقة الغرب الذي يكيل الأمور بمعاييره ولا يهتم حتى بمأساة الأطفال، ولكن لماذا تحشر القاعدة نفسها في قضايا رأي عام له ساحاته وجماعاته وهي التي تقدم نفسها تنظيما جهاديا له ساحاته وأدواته المختلفة؟ بل هل بمقدور السلفية الجهادية التفرغ للحدث السياسي والاجتماعي والاقتصادي كما لو أنها حزب سياسي أو جماعة تقليدية!؟

عطفا على الفقرة أعلاه، فإن خطاب الظواهري القصير بخصوص أحداث المسجد الأحمر كان الأول من نوعه من حيث اقتصاره على قضية محددة، تماما مثل خطاب أبي يحيى الليبي وهو يتحدث عن أطفال الآيدز في ليبيا. كما أنه الخطاب الأول للسلفية الجهادية الذي يصرح فيه أحد رموزها بأنه يتحدث إلى الأمة بمناسبة حدث معين. هذه الملاحظة هامة بما أن الغالبية الساحقة من خطابات الظواهري تحديدا ذات منحى شمولي سواء كانت خطابا أو مقابلة. فيمكن أن نجد فيها تعرضا لأحوال الجماعات الإسلامية والجهاد والمواجهات في كل العالم الإسلامي، ورسائل تحية ونصرة ودعوات للمجاهدين تمتد من أندونيسيا وحتى موريتانيا، فما الذي يجعل الظواهري يقدم خطابا محددا بقضية معينة هذه المرة غير متابعة الحدث السياسي والتعليق عليه؟

الأكيد أن السلفية الجهادية، التي كانت مشغولة ولفترة طويلة بالحدث الجهادي الميداني لا غير، باتت أقرب إلى معالجة الحدث السياسي اليومي فضلا عن تحملها لأعباء الحدث الاجتماعي، وقد يبدو هذا انجرارا لأتون صراع جديد ليس مضمون العواقب ولكنه واقع. فما هو السر في هذا التغير؟ وما الذي يدفع السلفية الجهادية إلى تحمل أعباء هي بغنى عنها لاسيما وأنها ما زالت خارج مرحلة التمكين الحاسم بحسب ما تقتضيه أيديولوجيتها؟ ألأنها تقدم نفسها كحاملة للراية وقائدة لها؟ لا ندري. ولكن خطابه"نصيحة مشفق"ثم تعليقه السريع على تكريم سلمان رشدي والأسرع على أحداث المسجد الأحمر يشي بتوفر قدر من الأمن يكفي، على ما يبدو، لجعل الظواهري وقادة القاعدة في أفغانستان أكثر حيوية من ذي قبل وقدرة على متابعة الأحداث خاصة وأنه يتحدث صراحة عن متابعته لها عبر شبكة الانترنت. على أن خطاب البغدادي كان ذا نكهة خاصة تفسر إلى حد كبير ما كان يخفى في خطابات الظواهري فيما يتعلق بإيران، فما الذي ستقدمه هذه المتابعة؟ وما هي حقيقة الإشكال الذي أرّق الكثيرين؟

ثانيا: إعلان الحرب على إيران

حفل الخطاب بعدة مواضيع هامة وحساسة فيما يتعلق بوضع العراق والحالة الجهادية التي يعيشها منذ الاحتلال الأمريكي للبلاد ودور الطوائف والأقليات القومية. فقد تحدث البغدادي عن المسألتين الكردية والإيرانية بإسهاب مذكرا بالحصاد السلبي للرافضة والكرد جراء مراهنة زعمائهم النافذين على قوى الاحتلال الأجنبي مثلما تحدث عن الفصائل الجهادية والفتن ونصرة العشائر للمجاهدين في مناطق عدة من العراق وبلوغ الجهاد والمجاهدين مرحلة اللاعودة. لكن إذا كان للبغدادي من مبررات تستحق المراهنة على الأكراد بحكم المذهب والتاريخ المشرف لهذه القومية في نصرة الإسلام والمسلمين والدفاع عن حواضرهم فضلا عن جهاد الكثير منهم في الحرب الدائرة ودعوة أفراد وبعض الجماعات المجاهدة منهم للانضمام إلى الدولة مثل الجماعة الإسلامية في كردستان -"كومل"، وحكمة مشايخهم وخشيتهم من تلويث البارازاني والطالباني لهذا التاريخ عبر الزج بهم في أتون العمالة والخيانة فإن إعلان الحرب على إيران، بصريح العبارة، كان الحدث الأبرز في الخطاب والأخطر في المنطقة.

فبعد أن يفيض على شيعة العراق من المثالب مفصلا إياها ومبينا ارتباطهم بالمشروع الصفوي الإيراني والدور الذي تلعبه هذه الأخيرة في السيطرة على العراق يعلن البغدادي بوضوح تام حربه المشروطة على إيران:"نُمهِل الفرس عمومًا وحُكّام إيران خصوصًا شهرين لسحب كل أنواع الدعم لرافضة العراق, والتوقف عن التدخل المباشر وغير المباشر في شؤون دولة الإسلام, وإلا فانتظروا حربًا ضروسًا لا تُبقي فيكم ولا تذر, قد أعددنا لها العدة منذ أربع سنوات, ولم يبقَ لها إلا إصدار الأوامر لبدء الحملة, لا والله لن نستثني بقعة فيها الفرس المجوس لا في إيران ولا في غيرها من دول المنطقة".

من المؤكد أن هذا التهديد لم يكن مسبوقا بهذه القوة والصراحة، بل أن التهديد خص بالذكر جهات معينة لتصفية أوضاعها مع إيران خلال مهلة الشهرين:

• نصح وتحذير لـ:"كل تاجر سني في إيران والدول العربية وخاصة دول الخليج من الشراكة مع أي تاجر رافضي أو إعداد تجارة جديدة معهم ... لسحب كل أنواع الشراكة والتجارة معهم".

• ليكونوا في مأمن من أية عواقب فالمطلوب من:"كل دولة فيها من الفرس الروافض أن يصدروا بيان شجب واستنكار لجرائم الحكومة الصفوية الرافضية, ويعلنوا البراءة منها".

• الإعلان عن:"إنهاء كل المعاملات التجارية بين بلاد الرافدين ومجوس إيران بما فيها من معاملات مصرفية وبنكية, ونعطي فترة شهرين لتصفية كل الحسابات والمعاملات اللازمة".

• الطلب من كافة"أهل السنة وشباب السلفية الجهادية خاصة في جميع أنحاء الأرض (وفي إيران خاصة) أن يستعدوا لهذه الحرب ويأخذوا لها أهبتها ويعدوا لها عدتها ...".

لا شك أنه خطاب مثير للغاية، وتهديد صريح لأبعد ما يمكن تصوره، وتعليمات جلية وعصية على التأويل، ولكن من يرقب الهجمات الشرسة التي تتعرض لها دولة العراق الإسلامية منذ بضعة شهور وخاصة في ديالى وبغداد وحجم ونوعية القوى المعادية من أمريكيين وإيرانيين وروافض محليين وقوات حكومية واستخبارات من شتى أنحاء العالم وفرق موت محلية وأجنبية وعشائر وخونة وعملاء وحتى أحزاب إسلامية محلية و"بقايا"جماعات جهادية مناهضة يستعجب ويتساءل: من أين للبغدادي والسلفية الجهادية في العراق كل هذا التحدي والقوة كي يواجه هذا السيل العرمرم من الأعداء ناهيك أن يفتح جبهة إقليمية عليه!؟

مؤشرات القوة لدى دولة العراق الإسلامية لا يستهان بها في ضوء ضراوة الحملات العسكرية الأمريكية ضد المجاهدين في العراق، فالأنبار التي انحسر نفوذ المجاهدين فيها بعد مهاجمة القوات الأمريكية لها بدعم من كافة القوى الحليفة لها عادت مرتعا خصبا للمواجهات وحروب العصابات الطاحنة وتغلغل المقاتلين في أزقتها وأحيائها، أما أفضل المؤشرات على مظاهر القوة فتكمن في تصريحات الساسة الأمريكيين وأعضاء الكونغرس وخاصة القادة العسكريين أنفسهم الذين اعترفوا بأن الحرب على السلفية الجهادية في ديالى"ستأخذ وقتا"، وهي تصريحات تعبر عن خيبة أمل وفشل ميداني ذريع للقوات الأمريكية وحلفائها. وفي السياق ظهرت دراسة جديدة صغيرة لكاتب في شبكة الحسبة (أبو دجانة الخرساني) ولكنها مدججة بإحصاءات مقارنة من مصادر أجنبية متخصصة عن خسائر أمريكية كبيرة منذ بدء العمل بخطة تأمين بغداد، وتشير بعض البيانات إلى أن:

"عدد قتلى قوات التحالف في محافظة بغداد عام 2007وحتى لحظة إعداد البحث بلغ 266 قتيلا، بينما قتل نفس العدد في بغداد طوال عام 2006! وفقط 242 قتيلا طوال عام 2005! وهذا يؤكد على أن خطة أمن بغداد لم تكن إلا وبالا على القوات الأمريكية, بل إن عَدد قتلاهم في بَغداد لأول ستة شهور من عام 2006 كان فقط 97 قتيلا، وفي الإجمال فإن عدد القتلى الأمريكيين في عموم العراق آخر ستة شهور من عام 2006 كان 492 قتيلا بينما بلغ 608 قتلى في أول 6 شهور من عام 2007 بزيادة مئويّة تصل إلى 24%".

ولعل تقارير المخابرات الأمريكية السرية عن"تحول القاعدة إلى قوة عاتية بعد هجمات 11 سبتمبر"كافية لوضع السياسة الأمريكية برمتها تحت المساءلة. ولكن هل تكفي مؤشرات القوة والتمكين لتحيل دولة العراق الإسلامية إلى فتح جبهات أخرى؟ وهل هي من تقف خلف إعلان الحرب على إيران؟

ما من خطاب ألقاه الظواهري إلا وأعقبه تساؤلات عن سبب غياب إيران تصريحا لا تلميحا عن النص. فالخصوم يتحدون والأنصار يبررون والمراقبون حائرون، والظواهري يناله الأذى والسلفية الجهادية عموما تتعرض للطعن بسبب ما يراه الخصوم محاباة لإيران على حساب الحكم الشرعي! والسؤال: لماذا يضرب الزرقاوي ويهدد البغدادي فيما يتجنب الظواهري التعرض لإيران؟ كيف يمكن فك هذه المعادلة العويصة؟

واقع الأمر أن السلفية الجهادية على عداء مستحكم مع إيران، فهي لن تنسى أن إيران هي من سلمت بغداد وكابول للقوات الأمريكية وهو ما لم تنكره إيران بقدر ما اعترفت به وسعت إلى تثبيته بل وفاخرت به. وبالتالي ما من جدوى في رمي السلفية باتهامات تصب في خانة العلاقات السرية مع إيران، وليست التصريحات بهذا الشأن من مصادر استخبارية إلا لإحداث اختراق يستهدف الطعن بمصداقية السلفية الجهادية وتشويه سمعتها علها تنجح، في حربها عليها، إلى إحداث نوع من الانفضاض عنها. ودون ذلك سيعني حكما أن السلفية الجهادية في أفغانستان وفي العراق تقعان على طرفي نقيض فيما يتعلق في السياسة العامة تجاه إيران وهو محض أوهام، إذ ليس من المعقول أن تحابي إحداهما عدوة الأخرى، وليس متصورا أبدا أن يكون قادة القاعدة والسلفية الجهادية في أفغانستان على خلاف عقدي مع قادة دولة العراق الإسلامية إحدى أبرز أدوات السلفية الضاربة في العالم. ومع ذلك يبقى السؤال قائما: بماذا نفسر غياب إيران عن خطابات قادة القاعدة؟

من أساسيات السياسة الشرعية فقه تحييد الخصوم، وثمة فرق شرعي صارم بين فقه الخضوع المنبوذ في الشريعة وفقه التحييد المحمود، ولو عدنا لخطاب البغدادي سنلحظ بوضوح اعتماده لفقه التحييد في التعامل مع إيران طوال أربع سنوات مضت:"... لطالما تحاشينا الصدام المرحلي بكم من باب السياسة الشرعية ..."، ولأننا أميل إلى القول بأن سياسة القاعدة تجاه إيران مصدرها الأساس يقع في هذا السياق من الفقه الذي يلزم القاعدة العمل به، فإن توصيف الشيخ عطية الله لقادة القاعدة والسلفية الجهادية بأنهم:"أساتذة في مسألة التحكم في فتح الجبهات"يصيب إيران قبل غيرها، ويوجب الأخذ بفقه التحييد لأكثر من سبب:

• وجود أعداد كبيرة من أسرى القاعدة بيد الإيرانيين بعضهم من القيادات الوسطى الهامة كسليمان أبو غيث. وأن بذل الجهد من أجل تحريرهم مسألة شرعية (فكوا العاني - حديث نبوي) وليست مسألة سياسية.

• تؤمن القاعدة بنظرية عدم فتح الجبهات إلا بالقدر اللازم والممكن استيعابه. وبما أن جبهة الأعداء واسعة في العراق، فالأولوية ينبغي أن تنحصر في التركيز على العدو الصائل، وعليه فمن المنطقي، إن لم يكن من الحكمة، أن تلجأ القاعدة إلى تحييد القوى الكبرى وعدم الخوض في صراع مباشر معها خاصة مع دولة كإيران ذات نفوذ كبير إقليميا ومحليا.

• لأن المنطقة الممتدة من هلمند في أفغانستان إلى ديالى في العراق تمر عبر الأراضي الإيرانية التي تشكل عمقا متاحا للحركة والاتصال بين القاعدة ودولة العراق الإسلامية فضلا عن الحاجة إلى التواصل بينهما في ضوء الكنز السني المتعطش للانعتاق من هيمنة الحكم الشيعي والمهيأ للدخول في الصراع المحلي وضد قوى الاحتلال في البلدين وهو ما ألمح إليه البغدادي بوضوح في خطابه، مما يعني أن التحييد وعدم استثارة إيران كان ضرورة ملحة لا ينبغي التفريط بها بسهولة.

• لأن السنة في العالم ما زالوا، عقديا، غير مهيئين لخوض حرب ضد الشيعة بالرغم من الدور الإيراني الحاسم في إسقاط العراق وأفغانستان، وبالرغم من جرائم صفويي العراق ومحاولات الانقضاض المحمومة عليه عبر ما يعرف بالمشروع الصفوي لإيران في المنطقة.

ثالثا: سياسة القاعدة تجاه إيران

إذن لم يكن الظواهري وحده من اعتمد سياسة فقه التحييد لرسم العلاقة مع إيران، ولم يثبت قط في أي من خطاباته المرئية أو المسموعة بعد احتلال العراق أن بن لادن جاهر بعدائه لإيران، ومع ذلك فقد كيلت التهم للظواهري دون بن لادن ربما لأنه الأبرز في الواجهة الإعلامية مع التأكيد على أن سياسة القاعدة أو السلفية الجهادية في أفغانستان لا يصيغها الظواهري وحده وليس منطقيا أن يستأثر في صياغتها بعيدا عن قادة القاعدة. ولكن حتى نتبين الفرق بين الصدام الدموي مع الشيعة في العراق وترقب الحرب المنتظرة، علينا بالعودة إلى استراتيجيات القاعدة في العراق غداة تأسيس تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين ومبايعة أبو مصعب الزرقاوي لبن لادن.

• الردع في إطار التحييد

يؤمن بن لادن أن الولايات المتحدة هي رأس الأفعى الذي إذا قطع مات الجسد، وبالتالي فهو أكثر ما يكون قربا من فقه التحييد ودفاعا عنه وأكثر ما يكون بعدا عن فتح الجبهات دون حاجة ماسة إليها أو القدرة على التحكم بها، وهو رأي إجمالي قادة القاعدة كما عبر عنه أبو يحيى الليبي. وفي متن خطاب البيعة الذي رفعه الزرقاوي لبن لادن وتشكلت في أعقابه القاعدة في بلاد الرافدين لوحظ عليه الشكوى من شيعة العراق ووقوفهم مع الأمريكيين ضد الجهاد والمجاهدين واستعدادهم لإيقاع الأذى في السنة والتنكيل بهم دونما أي رادع، وبالتالي فهو، بحسب خطاب البيعة، في حِلٍّ من تلقي أي لوم فيما لو اضطر للرد على الشيعة والتنكيل بهم بنفس القدر الذي يفعلونه بالسنة. وهذا يعني أكثر من أمر:

1)أن بن لادن، على الأرجح، وجه للزرقاوي تعليمات صارمة تقضي بتفادي الشيعة في العراق بما في ذلك الموقف من حزب الله في لبنان، أو على الأقل تأجيل الصدام معهم ما أمكن ذلك وإلا ما كانت هناك حاجة للشكوى والتذمر من الشيعة في خطاب البيعة. ولا يبدو أن هذا الموقف قد تغير حتى هذه اللحظة، وليس أدل على ذلك من خطابات الظواهري التي اكتفت بالتلميح الدائم لإيران والشيعة والتي جرى التعبير عنها بصيغة العتاب واللوم وليس بصيغة التصريح.

2)أن الزرقاوي على ما يبدو التزم نصيحة قائده، فنفذ التوصية بكل صدق ودقة، ولعله صبر وتحمل وحاول واجتهد في تفاديهم وتحييدهم، ولكنه لم يمسهم إلا بعد أن فاض به الكأس، ومع ذلك التزمت القاعدة بموقفها من تحييد إيران في عز المواجهات الدامية بين الطرفين في العراق، وبالكاد كانت المعارضة القوية من أبي محمد المقدسي والتي رد عليها الزرقاوي بخطاب غاضب.

3)أن المواقف في العراق من القضايا الكبرى يجري التشاور حولها مع قيادة المركز على أن تترك للفروع هوامش مريحة للتحرك بناء على قراءتهم للواقع. وإن كان هذا انطبق على الزرقاوي فلا يوجد ما يمنع انطباقه على دولة العراق الإسلامية على الرغم من أنه لم يثبت قط، إعلاميا، أن أبي عمر البغدادي ينتمي للقاعدة مثلما ثبت عن الزرقاوي والمهاجر، الأمر الذي يؤشر على أن العداء لإيران ليس موقف القاعدة بقدر ما هو موقف عموم السلفية الجهادية وكبار رموزها.

4)طوال فترة الاحتلال وحتى اللحظة تعاملت القاعدة ومن بعدها دولة العراق الإسلامية مع أهداف شيعية محددة وليس مع طائفة، وهو مؤشر على أن الحرب السابقة على خطاب البغدادي كانت تقع دوما، وما زالت حتى مهلة الشهرين، في نطاق الردع وليس في مستوى الحرب الشاملة حتى لو بدت كذلك في بعض الأحايين. ولعل هذه النقطة هي الأهم في فقه التحييد، فالردع متاح بأقصى حدوده ولكنه يجب أن يظل في مستوى دون الحرب الشاملة.

• القاعدة ونفاذ الصبر

يشير مسؤول فلسطيني ضليع في السياسة الدولية أن الخطط الأمريكية في ضرب إيران جرت على قدم وساق إبان رئاسة أرييل شارون للحكومة الإسرائيلية. وأن رسالة الضمانات التي انتزعها شارون من الرئيس الأمريكي جورج بوش جاءت على خلفية قبوله الطلب منه لضرب إيران بالنيابة عن الولايات المتحدة الأمريكية، وأن الخطة كادت أن تتحقق لولا مرض شارون وغيابه عن الحياة السياسية. غير أن هذه الخطط عادت من جديد إلى الظهور مع انكشاف التدريبات الإسرائيلية على الطيران اليومي طويل المدى حتى مضيق جبل طارق غربا، وتشمل الطلعات الجوية التدرب على تقنيات إرضاع الطائرات بالوقود جوا.

بعض التقارير والأبحاث الأمريكية تتحدث عن استغلال القاعدة لأزمة البرنامج النووي الإيراني مع الولايات المتحدة وترقية الصراع بينهما إلى حد التصادم بما يلبي رغبة السلفية الجهادية بتمني تسليط الله للظالمين بعضهم على بعض أو"ضرب أشرّ الأعداء بعضهم ببعض"على حد تعبير بروس ريديل - الباحث بمركز سابان لسياسة الشرق الأوسط بمعهد"بروكينجز"، والذي يرى"أن حربًا بين الصليبيين والصفويين سوف تُفيد عملية الجهاد ضد العدوين: وذلك عبر (أو) ضرب عصفورين بحجر". ولا شك أن تَوَقُّع ضربة لإيران سيحرر القاعدة من أعباء المواجهة المباشرة معها ويجعلها أكثر القوى الرابحة بما يوفر عليها احتفاظها بمخزونها البشري من المقاتلين وتجنيب السنة المزيد من الويلات والكوارث، لكن (1) تأخر الضربة رغم توقعها في كل حين (2) والمماطلة الإيرانية، طوال أربع سنوات من الاتصالات والوساطات، في الإفراج عن أسرى القاعدة خشية تعرضهم لمزيد من الضغوط الدولية بعد انكشاف أمر اعتقالهم (3) وربما استخدام القضية كورقة ضغط توجع القاعدة (4) والخشية من التراجع الإيراني في آخر لحظة باعتبار المحافظة على دولة شيعية قوية إقليميا ودوليا أهم من البرنامج النووي، كل هذا قد يكون سببا في تغير استراتيجية القاعدة في التعامل مع إيران.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت