فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 167

أيهما يقامر برصيده: الإسلام الوطني؟ أم القاعدة؟

د. أكرم حجازي

كل المؤشرات تدل على أن القوى الإسلامية ذات الطابع الوطني باتت تفصح أكثر من أي وقت مضى عن اندراجها الصريح سياسيا واجتماعيا وقطريا في إطار الحدود الوطنية للدولة التي تعيش فيها غير آبهة بتاريخها ولا بمبررات نشأتها. وكل المؤشرات تدل أيضا على أن العقيدة لم تعد المرجعية الفصل في تحديد اختياراتها الاستراتيجية حتى في مسائل العمل السياسي والحزبي وكذلك في المسائل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وما الحديث عن اجتهادات فقهية في هذا السياق إلا عملية تورية لم تعد قادرة على مغالطة أبسط مواطن ناهيك أن تخفى على الباحث أو العالم الشرعي. وتبعا لذلك فالتقرير في المسائل الكبرى والمصيرية للأمة بالنسبة لهذه القوى لن يتجاوز حدود القطر بحيث تغدو أشبه ما تكون بأية قوة وطنية علمانية أو غير علمانية الأمر الذي يهدد هويتها كقوى من المفترض أنها إسلامية ومن المفترض أكثر أن ينصب اهتمامها أولا وآخرا على حماية الدين والمجتمع من الانزلاقات الثقافية والسياسية الخطرة وحماية مجموع قضايا الأمة ومصالحها كحزمة واحدة غير قابلة للتجزئة. فالوحدة والجهاد والحلال والحرام والحاكمية ... إلخ كلها قضايا ذات طابع وطني لم يعد يتسع لها لا التاريخ ولا الحضارة ولا الدين ولا الأمة الواحدة بقدر ما تتسع لها الدولة والشعب ومؤسساتهما.

ففي المشهد السياسي العربي سنلحظ أن النظام السياسي والدولة القطرية ومن ورائهما الهيمنة الأمريكية والصهيونية فازوا جميعا بنصيب الأسد مما أسمي بفكر المراجعات لدى الجماعة الإسلامية في مصر أو بدخول الإخوان المسلمين العملية السياسية، وفي الجزائر ربحت الدولة والنظام ميثاق الوئام الوطني وفي فلسطين ربحت السلطة من حركة حماس فقه المشاركة السياسية وقس على ذلك ما شئت من البلدان العربية والإسلامية. وفي كل الحالات كان المجتمع هو الخاسر الوحيد باعتباره خارج"المراجعة"وخارج"الوئام"وخارج"المشاركة السياسية". وها هو الآن يبيت حتى خارج"العقيدة"وليس أدل على ذلك من هيمنة وشيوع ثقافة التغريب والعولمة والإنفلاش الخلقي وصنوف التعري والإباحية بلا أي ضابط فضلا عن وقوعه فريسة للبطالة وانعدام الطموح والأمان الاقتصادي أو الاجتماعي التي تغزو جميع شرائحه لاسيما الفتية والشباب منه على حد سواء.

أما في المشهد السياسي العراقي، موضوع فحص المقالة ميدانيا، فالمسألة أجلى من أن تغطى بغربال، فقد بات في حكم المؤكد، إلا برحمة من الله، القول أن الجماعات الجهادية باتت تعيش حالة من الفرز والاستقطاب على قاعدة المشروع السياسي القادم. فالمشروع الجهادي في العراق ليس متماثلا في تطلعاته وأهدافه، والاستقطاب سيكون من نصيب تيارين (الأول) هو تيار إسلامي جهادي ذو توجهات وطنية ينادي بتحرير العراق وإقامة دولة إسلامية وكفى، فيما (الثاني) وهو تيار السلفية الجهادية يعتبر العراق مجرد محطة على طريق إقامة الخلافة والدين وليس تحرير الأوطان فحسب. وشتان بين التيارين.

ولا يخفى على أحد حدة الصراع الذي يخوضه التيار الإسلامي الوطني ضد التيار السلفي الجهادي. وأحسب أن الصراع بين التيارين وصل إلى طريق مسدود، والطريف أن كلا من التيارين يخطِّئ الآخر ويدعوه إلى مراجعة مواقفه.

فبالنسبة لدعاة الإسلام الوطني يصر أصحابه على رفض الاعتراف بأنهم يختلف حقيقة وواقعا مع تيار عريض يمتد عبر العالم ولا ينحصر في إطار قطري، وأن لهذا التيار صولاته وجولاته ضد أعتى القوى العالمية من الولايات المتحدة الأمريكية فما دونها الاتحاد الأوروبي وروسيا وأستراليا وغيرها. وأن عناصر التيار السلفي يشكلون انعكاسا ميدانيا لواقع أمة إسلامية ممزقة ومهددة، فالقاعدة وطالبان ومجاهدي الشيشان وأسيا الوسطى وكشمير والفلبين وأمثالهم هم تعبير عما يسمى بالجهاد العالمي وليسوا طفرة ولا خوارج بالتعبير السياسي أو الإعلامي الذي يروج ضدهم من خصومهم وليس من العامة، كما أنهم ليسوا نكرة ولا بالمنحرفين كما يريدهم المرشد العام للإخوان المسلمين مهدي عاكف. أما التيار السلفي الجهادي فيصر هو الآخر على ما يعتبره توجيها للنصح كواجب ديني عليه أن يؤديه تجاه الجماعات الأخرى التي يعتبرها في حالة انحراف تام عن مبادئها وسابق عهدها وهو ما عبرت عنه كلمة أبو يحيى الليبي التي صدرت أول أمس ووجهت لحركة حماس خاصة.

غير أن الملفت فيتيار الإسلام الوطني لجوئه إلى شخصنة الصراع وتسطيحه إلى حد المهاترات المفجعة، وهذا لأنه لا يعترف أصلا بقيمة الطرف الآخر الذي غالبا ما يرميه بذات الصفات التي يرميه بها الخصوم بصورة تدعو للدهشة وكأنه بات حليفا لهم وهو الذي عانى منهم الويلات فيما سبق من الوقت غير بعيد. فالظواهري قد يبدو الشخصية المتصدرة للأحداث في هذه الفترة لأسباب نجهلها ولكنه ليس الشخصية المهيمنة ولا الدونية في التنظيم العالمي للقاعدة. أما من هو بمكانة أبي يحيى الليبي، صاحب الباع الطويل في العلم الشرعي، أو أبي الليث، صاحب عشرات المؤلفات الضخمة، فليسا، وغيرهم الكثير، مجرد شخصيات دونية في القاعدة حتى يقع تجاهلهم والاحتكام فقط إلى بن لادن صاحب القول الفصل وكأن التنظيم وقف عليه. ففي السلفية الجهادية لا تقاس المكانات بالأقدمية والتاريخ والذكاء بقدر ما يُقدَّم الجهاد والعلم الشرعي والثبات والنصح والولاء والبراء على ما عداها من المهارات والصفات بحيث لا يكون هناك ثمة فوارق تذكر بين بن لادن والبغدادي أو بين أبي يحيى والظواهري. ومن اعتقد غير ذلك فهو واهم لا يدري من السلفية الجهادية شيء.

مثل هذه الدعوات صدرت في أعقاب خطاب الظواهري عن كتاب من حركة حماس، وصدرت في بيان رسمي للجيش الإسلامي على خلفية خلافاته مع دولة الإسلام العراقية، وأخيرا صدرت عن حارث الضاري رئيس هيئة علماء المسلمين في العراق. فحماس تعتبر الظواهري خصما لها على خلفية ما تعتبره عداء تاريخيا منه لجماعة الإخوان المسلمين، وبالتالي فهي تقبل ببن لادن ولا تقبل بغيره، والجيش الإسلامي يقبل ببن لادن"الذي اشتهر عنه التحرز الشديد من دماء المسلمين وأعراضهم واشتهر بزهده وورعه وخوفه من الحساب يوم الدين"ولا يقبل بالبغدادي، والضاري يطالب بن لادن"... أن يوصي القاعدة بأن تلتزم بضوابط الجهاد الشرعي الصحيح ... وإذا لم يكن لديه تأثير على القاعدة في العراق فليوضحللعراقيين ذلك حتى يكونوا على بيّنة من أمرهم في التعامل معها ...".

كثيرا ما راود الناس خاصة أنصار الجهاد والتيار السلفي بالتحديد مخاوف من أن يكون بن لادن قد أفضى إلى ربه، غير أن أحدث التصريحات التي وردت على لسان القائد العسكري لطالبان الملا داد الله في مقابلة له مع قناة الجزيرة لم تنعش الآمال فقط بوجود الرجل على قيد الحياة بل زفت بشرى حاسمة لمن يهمه الأمر أن الرجل حي ويخطط ويدير المعارك ومؤكدا:"إن شاء الله ستسمعون خطابا، ومع تصاعد العمليات ستظهر له كلمة مرئية بإذن الله، نحن لدينا معلومات بأنه حي وهو على اتصال دائم بالمجاهدين". هذه عبارات بالتأكيد ليست للاستهلاك بقدر ما تجزم بوجود الرجل على قيد الحياة. والسؤال البسيط الذي نطرحه: ماذا ينتظر أصحاب نظرية الشخصنة أو أصحاب المشروع الوطني؟

لو كان الخلاف على إدارة المعركة على الأرض، في العراق، لكان من السهل حله دون اللجوء لبن لادن أو الظواهري أو غيرهما وهو ما أكده الناطق باسم كتائب العشرين عبدالله سليمان العمري لما قال:"كيف لا نتوجه إليهم وهم يعلنون أنهم يريدون عصمة دماء المسلمين"، ولكن لما يكون الخلاف على هوية المشروع الجهادي ومستقبله فعلى الأرجح أن أصحاب المشروع الوطني سيمنون بخيبة أمل كبيرة، وستلاقي حماس خيبة أمل أكبر فيما يتعلق بتوجهها السياسي الجديد. والأهم من هذا وذاك أن مجرد ظهور بن لادن صوتيا أو مرئيا سيعيد شحن تيارات السلفية الجهادية بطاقة هائلة خاصة بعد هذا الغياب المرير لأحب الناس إليها فضلا عن أنه سيحرك المياه الراكدة في مختلف الشرائح الاجتماعية والجماعات الجهادية وهو ما يعني أن الجماعات الإسلامية الوطنية وهي تضع أوراقها في سلة بن لادن ربما تكون قد وقعت في مأزق غير محسوب بالرغم من أن تصريح الضاري ينطوي في بعض جوانبه على تحذير مبطن للقاعدة وللدولة فيما إذا خالف بن لادن أي توجه للتفاوض مع الأمريكيين على مسألة العراق من شأنه أن يمس بدولة العراق الإسلامية أو بمستقبل المشروع الجهادي برمته. فهل سيهاجم ذوي الإسلام الوطني بن لادن بعد أن هاجموا أسلافه؟ وهل سيصفونه برجل الكهوف والجحور وقاتل الأبرياء؟

حتى الآن لم يحن القول الفصل في أسباب الخلافات التي تعصف بالمشروع الجهادي في العراق، ولم يحن القول الفصل في خلافات القاعدة مع حركة حماس، ولكن ساعة الفصل قادمة إذا ما ظهر بن لادن فعلا، والمرجح أن دفاع أبي يحيى الليبي عن الظواهري ونقده لمنهج حماس السياسي من الصعب النظر إليه من باب الشخصنة التي يرغب البعض في رؤيتها وهي تستوطن تنظيم القاعدة. فأيهما يقامر برصيده السلفية الجهادية؟ أم الإسلام الوطني؟ لننتظر ونرى.

نشرت بتاريخ 03 - 03 - 2009

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت