فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 167

د. أكرم حجازي

إما أنهم جهلة وإما أنهم فئويين من حيث يدروا أو لا يدروا وإما أنهم قصيروا النظر أو عديمي المسؤولية، أولئك الذين نصحوا الرئيس بلعب ورقة الاستفتاء على وثيقة الأسرى إذا لم يتوصل مؤتمر الحوار الوطني إلى نتائج تحقق الوفاق الوطني. ونفس التوصيف ينطبق على جميع القوى الفلسطينية بما فيها الحكومة وحركة حماس حين يلوح أحدهم بورقة الاستفتاء كلما طرأ جديد أو عصفت الخلافات السياسية بين طرف وآخر على خلفية قضية معينة يصعب الوصول إلى حلول توافقية سريعة بشأنها.

وحتى لو كان القانون أو الدستور ينظم مسائل الاستفتاء فسيغدو الأمر خللا في التشريع أكثر منه مبررا لتنظيمه. فالوضع الفلسطيني خطر جدا، ومفتت بفعل الاغتصاب والاحتلال منذ ما يزيد على المائة عام. والحديث عن الاستفتاء تجاه هذا الموقف أو ذاك يشبه قنبلة موقوتة قد تنفجر لأتفه الأسباب، إذ سنجد أنفسنا في واقع الأمر أمام إشكالات مفاهيمية وسياسية من شأنها تعميق حالات الانقسام والتنافر والاستقطاب القائمة حاليا.

فالذين يعتقدون بصوابية فكرة الاستفتاء عليهم أن يحددوا أولا أي مجتمع وأي جغرافيا يقصدون؟ وإلى أية وجهة يميلون بحيث تكون موضعا ملائما لاستفتاء يعبر عن المجاميع الفلسطينية؟ فوثيقة الوفاق الوطني تتحدث في سياق ما عن استفتاء"حيثما أمكن"، وهو تعبير مطاط وفضفاض ما أن يجري البحث فيه حتى تنقلب الأمور إلى حالة من الشك والريبة. ففي حصيلة مبدئية سيتوفر لدينا مجتمع فلسطيني كائن في فلسطين التاريخية يعيش في قلب الدولة اليهودية، ولدينا مجتمع فلسطيني يعيش في الضفة الغربية وآخر في القدس وثالث في قطاع غزة، ولدينا مجتمع اللاجئين والنازحين الكائنين في الدول العربية المجاورة، ولدينا مجتمعات في الشتات والمنافي والمهاجر.

هكذا إذن لدينا شتات معقد من الديمغرافيا وشتات لا يقل تعقيدا عن الجغرافيا، كما لدينا شتات ثقافي وأيديولوجي وسياسي متنوع ومركب ومنفرد ومفتت، وقد وَلّدت هذه الحالة منذ زمن بعيد تعبيرا جامعا مانعا يحظى بالإجماع الفلسطيني التام وهو تعبير"الشعب الفلسطيني"الذي قُدّم كبديل عن مفاهيم التجزئة والتقسيم والتشرد على شاكلة عرب الجليل أو سكان الضفة والقطاع أو اللاجئين أو الأقليات العربية ... إلخ فكيف سيجري الاستفتاء؟ وكيف سيحظى بمشروعية إن اقتصر إجراؤه على شريحة أو بقعة جغرافية دون الأخرى؟

لا ريب أن إجراءه في الأراضي المحتلة سنة 1967 سيؤدي إلى تهميش ما لا يقل عن خمسة ملايين فلسطيني يعيشون في الخارج، وسيخلق إشكالية ما بين فلسطينيي الداخل وفلسطينيي الخارج بصورة عنصرية وعدائية بين فئات الشعب الواحد، وإذا ما نظم الاستفتاء كأداة ضغط وتلاعب سياسي في الأراضي المحتلة سنة 1967، وبات سابقة يمكن القياس عليها بحيث تتكرر اللعبة في مناسبات أخرى ضاغطة وعلى قضايا مصيرية فعلينا الاستعداد للتنازل عن الحقوق الفلسطينية التاريخية والإنسانية والقبول الدائم بوضعية التمزق الاجتماعي على امتداد الجغرافيا والديمغرافيا مع ما ينتج عنها من صراعات وضغائن وأحقاد ليس من اليسير السيطرة عليها لاسيما وحالة الاحتلال لما تزل بعد بين ظهرانينا.

أما وثيقة الوفاق الوطني فلا شك أن لها قيمة اعتبارية عليا بالنظر إلى معاناة الأسرى في السجون الإسرائيلية وتضحياتهم لسنين العمر من أجل القضية والوطن والشعب، ولكن من غير المقبول فصلهم عن الشعب الفلسطيني في انتشاره الجغرافي والديمغرافي ومعاناته، وتقديمهم كشريحة منزهة ومقدسة على ما عداها وكأن الشرائح الأخرى أقل تضحية أو صمودا أو مسؤولية. فالسجناء شأنهم شأن الجزء الحي من المقاومة والمعاناة داخل فلسطين وخارجها، وشأنهم شأن الجزء الحي من الشهداء ممن ينتظرون لحظتهم، وهم سيان وجموع المجاهدين والمناضلين والمرابطين والمطاردين، وكغيرهم يظل السجناء أحد أهم الشرائح الحية من الشعب الفلسطيني.

ولأن الأسرى لا يمكن لهم أن ينسلخوا عن شعبهم ووطنهم وقضيتهم وعقيدتهم، وهم الأكثر وعيا، فليس من المنطقي ولا المسؤولية أن تقدم الوثيقة وكأنها نهاية المطاف وإلا فالاستفتاء بالمرصاد! وحتى الوثيقة لم تقدم بهذا الشكل بقدر ما تضمنت أفكارا يمكن أن تشكل أساسا للحوار والتوافق، وهنا بيت القصيد بالضبط. فالشعب الفلسطيني يواجه مأزقا تاريخيا ومصيريا غير مسبوق، ويتعرض لابتزاز لا أخلاقي ولا إنساني وليس فيه أي مبرر إلا القهر وإلحاق أكبر الأذى وفرض واقع الاستسلام وهو ما لا يقبله الأسرى ولا غيرهم من الشعب الفلسطيني وقواه. لذا فالمطلوب حوار وطني يؤدي إلى توافق يحتاجه الشعب الفلسطيني بكل أطيافه وليس إلى التهديد باستفتاء قد يزيد من حالة الاحتقان والتمزق ويبعث على الكراهية والأحقاد وتكون الطامة الكبرى أقرب إلى الشعب الفلسطيني من حبل الوريد.

نشرت بتاريخ 03 - 03 - 2009

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت