د. أكرم حجازي
كالعادة، تمر بضعة شهور من الصمت وسط أحداث ساخنة وشكوك وهواجس تعصف بالأنصار والمريدين مثلما تعصف بالمحللين والإعلاميين والباحثين قبل أن تنطلق سلسلة من البيانات أو الخطابات السياسية العاصفة لرموز القاعدة وتنظيماتها خاصة في العراق.
فقد ارتأت القاعدة التريث واختارت الزمان الذي تريد لبث خطاب استراتيجي شامل على لسان د. أيمن الظواهري الذي ألقى خطابه الأخير خلال الحرب على لبنان. ومنذ ذلك الحين انزوى الدكتور، فلا هو علق على نتائج الحرب ولا على الوضع اللبناني ولا الفلسطيني ولا على شائعات وفاة بن لادن ولا على مجزرة المدرسة الدينية في باكستان والتي قيل فيها آنذاك أن الظواهري ومعه عدد من قيادات القاعدة كان الشخصية المستهدفة ولا على تهجم البابا على الرسول الكريم ولا على حلف المطيبين ولا حتى على إعلان دولة العراق الإسلامية من قبل مجلس الشورى ولا على مجازر الشيعة في العراق ولا على هذا الحدث ولا ذاك حتى غدا صبر القاعدة ضربا من الاستفزاز للمراقب وحنينا مؤلما للأنصار.
بداية، سيلاحظ المطلع على الخطاب أنه يتجه بامتياز إلى الشأن الإسلامي الداخلي أو قل إلى الجبهة الداخلية، وعلى الرغم من أنه يبدو أقرب ما يكون إلى خطاب المناسبة مع موسم الحج إلا أنه من حيث المحتوى غير مسبوق، فقد عرض أفكاره عبر خمسة رسائل تتصل"بأهمية توعية الأمة بحقائق الصراع بين الإسلام والكفر من الناحيتين الشرعية والواقعية"، وجهت الأولى إلى القوى الإسلامية لاسيما حركة حماس والثانية حول الوضع في أفغانستان والثالثة إلى الديمقراطيين في أمريكا والرابعة إلى الشعب الأمريكي والخامسة إلى الأمة الإسلامية فضلا عن خاتمة مميزة. ولكن وإن بدت بعض الرسائل روتينية أو ذات طابع مناسباتي مميزة في محتواها كالإشارة إلى صلابة قيادة طالبان وقوة الشكيمة للشعب الأفغاني وهو قاب قوسين أو أدنى من هزيمة أعتى قوتين في التاريخ الإنساني وهو ما يستحق الثناء والتقدير والوفاء لهذا الشعب فإن ما ورد في الرسائل الأخرى يستحق التوقف عنده وقراءته بتأن ولو أن المجال لا يتسع لتحليل خطاب طويل ومتنوع في مقالة واحدة. ومع ذلك فما الذي أراد قوله الظواهري وبدا مختلفا إلى حد ما عن سابقه ولو في لغة القول أو الأداء أو المحتوى؟
1)رسالة فلسطين
ثمة ما هو مختلف حقا في هذه الرسالة أو على الأقل غير مألوف بالمقارنة مع خطابات سابقة كانت تهاجم السلطة أو القيادة الفلسطينية التقليدية، أما هذه المرة فقد بدا الظواهري غاضبا وحانقا وهو يشن هجوما عنيفا وضاريا على قضايا الديمقراطية والانتخابات وشرعة الأمم المتحدة ومعاهدات أسلو وغيرها والتي وقعت بها الحركات الإسلامية لاسيما حركة حماس التي استنكر عليها، دون أن يسميها، سياستها التي ولغت في طريق قد يفضي إلى الاعتراف بالدولة اليهودية والقضاء على الجهاد في فلسطين، فبسبب"التغاضي عن الحقائق الشرعية والواقعية في الصراع بين الكفر والإسلام"، يرى الظواهري أن"بعض الأخوة"وقعوا في فح الاستدراج"من التهدئة إلى الانتخابات ... ومن الانتخابات على أساس دستور علماني إلى احترام القرارات الدولية، ومن ... القرارات الدولية إلى الموافقة على وثيقة الأسرى، ومن ... وثيقة الأسرى إلى حكومة الوحدة الوطنية، ومن حكومة الوحدة الوطنية إلى إخراجهم من الوزارة، ولا زال المسلسل مستمرًا".
وبعد أن ينكر عليهم عدم مطالبتهم بدستور إسلامي قبل المشاركة في الانتخابات، والمطالبة بإعادة بناء منظمة التحرير، يتساءل:"أليسوا حركةً إسلاميةً؟ ... فعلى أي أساس يطالبون بإعادة بناء منظمة التحرير وهي التي اعترفت بإسرائيل، وتخلت عن أكثر من ثمانين بالمائة من فلسطين، وقبلت بالاتفاقيات المذلة والاستسلام؟".
أما صيغة الغضب التي عبر عنها الظواهري هذه المرة فبدت صريحة أكثر مما سبق وهو يرد على من يتحصن بمقولة"خصوصية الوضع الفلسطيني"قائلا:"أرجو ألا يرد عليّ أحد، بأن فلسطين لها خصوصيتها، وأن أهل فلسطين أدرى بها من غيرهم، فأولًا فلسطين هي قضية كل مسلم، كما أن كل قضايا المسلمين هي قضايا كل مسلم في فلسطين، وثانيًا أنا لا أتحدث عن تفاصيل وخبايا، أهل فلسطين أدرى بها من غيرهم، ولكني أتحدث عن أصول الإسلام والشريعة، أتحدث عن حاكمية الشريعة، وأتحدث عن رفض التنازل عن حبة رمل واحدة من ديار الإسلام"، لذا فيا"إخوة الإسلام يا إخوة الجهاد يا إخوة الرباط والتضحية والاستشهاد: الزموا مصاحفكم، الزموا بنادقكم.".
2)السياسة الأمريكية في العراق
هذا ما ركزت عليه وسائل الإعلام، والحقيقة أن الطريقة التي قُدّم فيها الشريط بدت وكأن القاعدة تتوسل الأمريكيين بالتفاوض مع دولة العراق الإسلامية لتحقيق الانسحاب الأمريكي. حتى أن بعض المحللين اعتقدوا الأمر كذلك ولا اعتقد أنهم ملومين بما أنهم علقوا على ما سمعوا وليس على ما اطلعوا عليه. فالظواهري يتحدث في الشريط مبينا للديمقراطيين أن الحقيقة في انتصارهم على خصومهم الجمهوريين لم يكن بذكائهم بقدر ما كان بسبب انتصار المجاهدين في العراق وأفغانستان والذين لم يلقوا السلاح بعد، ولعل في كلامه درجة عالية من المصداقية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار سلسلة الاستقالات لكبار القادة الأمريكيين خاصة العسكريين منهم وعلى رأسهم رامسفيلد وسلسلة التقارير والتصريحات التي تشبه الحالة في العراق بمثيلتها في فيتنام وأخرى تقر باستحالة النصر وآخرها الاعتراف الرئاسي بأن أمريكا لا تكسب الحرب في العراق.
أما مسألة التفاوض مع الولايات المتحدة فلا القاعدة ولا دولة العراق الإسلامية غيرت من مبادئها في التعامل مع الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة. فالظواهري يعيب على الأمريكيين عقلية يصفها بالحمقاء حين يقول:"تحاولون التفاوض مع بعض الجهات لتؤمن خروجكم، ولكن هذه الجهات لا تملك لكم مهربًا، ولن تجدي محاولاتكم إلا مزيدًا من الخيبة بإذن الله، لأنكم لا تتفاوضون مع القوى الحقيقية في العالم الإسلامي، ويبدو أنكم ستخوضون رحلةً مؤلمةً من المفاوضات الفاشلة، ثم ستعودون - بإذن الله- مكرهين للتفاوض مع القوى الحقيقية.". فبهذه الصيغة يتحدث الظواهري عن مفاوضات إجبارية مع قوى إسلامية حقيقية سواء كانت داخل العراق أو خارجه وليس مع قوى إسلامية لا تملك من أمرها شيئا، بمعنى أن الشأن الإسلامي هو شأن عالمي يهم قادة الأمة الإسلامية وكافة البقاع الإسلامية، وليست قضية العراق إلا واحدة من قضايا العالم الإسلامي، ومنعا للالتباس يتوجه الظواهري في رسالته إلى الشعب الأمريكي مشددا على سياسة القاعدة التقليدية في الصراع مع الغرب:"معادلة سلامتكم هي: لن تحلموا بالأمن حتى نعيشه واقعًا في فلسطين وسائر ديار الإسلام، وليست المعادلة المغلوطة التي يخادعكم بها بوش حين يقول إننا نضرب الإرهابيين في بلادهم، حتى لا يضربونا في بلادنا، بل إذا ضُربنا في بلادنا فلن نكف عن ضربكم في بلادكم بإذن الله وقوته. وكما قال لكم أميرنا الشيخ أسامة بن لادن -حفظه الله- كما تقصفون تقصفون، وكما تَقتلون تُقتلون". فهل يمكن بمثل هذه العقلية أن تتجه القاعدة أو تسعى إلى مفاوضات مع الولايات المتحدة من أجل صفقة ما للخروج من العراق وتتجاهل بقية القضايا الإسلامية؟!
في الواقع تبدو كلمة أبو عمر البغدادي أمير دولة العراق مفسرة إلى حد كبير لأطروحة الظواهري، وتكشف عن تنسيق ما سبق الخطابين لاسيما أن الوقت بينهما كان محدودا جدا مما يعني أن الاتصالات بين القاعدة والدولة الوليدة لم تنقطع قبل إعلان الدولة أو بعدها. ففي خطاب البغدادي وهو يتحدث بنفس اللغة التي تحدث بها الظواهري نراه يستنكر التفاوض مع الولايات المتحدة ويستعمل عبارات مهينة لتحقيق انسحاب أمريكي مذل من العراق:".. لسنا من يتفاوض مع من أوغل في دماء أطفالنا وأفاض دموع أمهاتنا ودنس بأقدامه أرضنا .. وإنما نحن نعلن اليوم عليكم أوامرنا فا قبلوها طائعين صاغرين قبل الندم .. نأمركم أن تحسبوا قواتكم فورا .. على أن يكون الانسحاب عن طريق عربات نقل الجنود وطائرات حمل الركاب معهم سلاح الراكب فقط .. على أن لا يسحبوا أيا من المعدات والأسلحة الثقيلة وأن يتم تسليم كافة القواعد العسكرية لمجاهدي دولة الإسلام .. وعلى أن لا تتجاوز مدة الانسحاب شهرا واحدا فقط .. ونحن من جانبنا سوف نسمح لانسحابكم أن يتم دون أن يتعرض له أحد بعبوة أو غيرها .. ننتظر ردكم خلال أسبوعين من تاريخ إعلاننا هذا ...".
3)رسالة الأمة الإسلامية
احتلت هذه الرسالة الحيز الأطول من وقت الشريط، وتضمنت أكثر من محور ساخن كان أبرزها الهجوم الحاد جدا الذي شنه الظواهري على ما وصفه بـ"تجار الدين وفقهاء التسول في القاهرة والرياض وعمان وصنعاء"ولبنان وأفغانستان والعراق وغيرها، داعيا الأمة الإسلامية إلى الوعي بضرورة التفريق والاختيار بين"من هم قادة الأمة الحقيقيون"و"من هم أدعياء القيادة؟"معتبرا مثل هذه المسألة"من أركان الوعي للأمة".
ففي فقرات وجهت لمن يفترض أنهم يعتبرون أنفسهم أحرار أو شرفاء أو عقلاء من الشيعة دون أن تسميهم برافضة أو شيعة أو تنسبهم لأية طائفة استعمل الظواهري سلسلة من التساؤلات تضمنت أسماء الإمام علي والحسن والحسين رضي الله عنهم تنكر على الشيعة ازدواجيتهم في تعاملهم مع قضايا الأمة وتأبى عليهم أن يتبوؤا قيادتها بدعوى أن فاقد الشيء لا يعطيه:"أناشد كل حر وشريف وعاقل أن يسأل نفسه سؤالًا صريحًا وجريئًا؛ هل لو كان الأمام علي - كرم الله وجهه- أو سيدنا الحسين أو سيدنا الحسن - رضي الله عنهما- موجودين في العراق أو أفغانستان، هل كانوا سيتواطئون مع الصليبيين على غزو ديار الإسلام، ثم يتعاونون معهم، ويقاتلون المجاهدين دفاعًا عنهم؟ هل كانوا سيشاركون في الحكومات التي نصبها الصليبيون وباركتها الأمم المتحدة؟ هل كانوا سيطيعون أوامر بريمر وتومي فرانكس والأخضر الإبراهيمي؟ أم أنهم - رضي الله عنهم- كانوا سيعلنون الجهاد ضدها وضد من عاونها؟ ... هل هذا هو الإسلام الذي استشهد من أجله الإمام علي والحسين رضي الله عنهما؟ وأناشده أن يسأل نفسه؛ لماذا يكون الجهاد حلالًا في لبنان حرامًا في العراق وأفغانستان؟ ولماذا تكون أمريكا الشيطان الأكبر في لبنان والحليف الأكبر في العراق وأفغانستان؟".
ومن المؤكد أن هذه المناشدات الجديدة في خطاب القاعدة تحتاج إلى قراءة أكثر عمقا، ولعلها آخر الفرص للشيعة في للبنان لتصحيح مواقفهم تجاه المقاومة في العراق وآخر الفرص لهم قبل معركة بغداد المنتظرة والتي هدد بها المتحدث الرسمي لدولة العراق في رسالته الأخيرة بعنوان:"صبرًا يا بغداد فالحرب سجال"لتحييد أكبر قدر ممكن من الشيعة عن ساحة المواجهة من وجهة نظر شرعية، ولدفعهم إلى إحداث تمايز واضح بين الوطنيين منهم والعملاء، فعلى حد تعبير أحد كتاب المنتديات فلا بد من وجود تمييز بينهم لأن الحكم عليهم جميعا بنفس القدر هو مخالف للشريعة من جهة ومخالف لمنطق الحرب من جهة أخرى، فالحكم بقتالهم جميعا يعني أنهم سيوضعون أمام خيار واحد وهو الموت وبالتالي سيقاتلون جميعا حتى الموت إن اضطروا وهذا غير منطقي ولا شرعي ولا موضوعي.
وبنفس المقدار يشن الظواهري هجوما لاذعا على من يصفهم بـ"تجار الدين وفقهاء التسول"معتبرا إياهم غير جديرين بقيادة الأمة بالنظر إلى فتاواهم التي أباحت استقدام القوات الأمريكية والغربية إلى أرض الجزيرة أو شرعت لما يسميه ببيعة ولي الأمر واستعباد الناس أو قتل المجاهدين واعتقالهم أو تشريعهم للحكم بغير ما أنزل الله. بل أن قسوة الظواهري على هؤلاء العلماء وأمثالهم كانت أشد وأنكى من قسوته على الرافضة باعتبارهم من السنة وممن يتحملون العبء الأكبر في قيادة الأمة والانتصار لها، فهم، بحسبه، يشرعون الجهاد ضد اليهود في لبنان ويحرمونه ضد الأمريكان في العراق وأفغانستان، ويخونون التعامل مع اليهود فيما يعتبرونه أمنا وتقدما في العراق، ويؤيدون الحكومات العميلة في العراق وأفغانستان بينما يكون التعاون مع المحتل الصليبي في لبنان وفلسطين خيانة؟ ويستغلون الإسلام"لتسويق هذا التناقض والدجل"، وعمن هم بمثل هذه الصفات يتساءل بحنق عن حقهم بالقيادة:"كيف يمكن أن يقود جهاد الأمة من يبيح لحكام مصر قتل المجاهدين والصلح مع إسرائيل؟ ومن يبيح للمسلمين القتال في الجيش الأمريكي ضد إخوانهم في أفغانستان؟ أو من يفتي المسلمات في فرنسا بوجوب خلع حجابهن طاعةً لحكومتها العلمانية المحاربة للإسلام؟ أو من يفتي المسلمين في بريطانيا بوجوب طاعة إليزابيث رئيسة كنيسة انجلترا؟ كل هؤلاء وأمثالهم لا يمكن أن يرتفعوا لمرتبة القيادة، لأنهم سقطوا في حضيض التسول". فـ"أي دين هذا؟ أي خلق هذا؟ أي شرف هذا؟ بل أي سقوط هذا؟"
وفي المحور الثاني يركز الظواهري على دور الأمة الإسلامية والمؤسسات الاجتماعية لدعم المقاومة الجهادية، داعيا إلى الاستفادة من الأنشطة الدعوية والطلابية والنقابية. بل نجده يتحدث عن مشروع مقاومة يشمل كافة شرائح الأمة وقواها الفاعلة، ويجعل من مهمة الطلبة والنقابيين، مثلا، رأس الحربة في المقاومة الشعبية من حيث التمويل والرصد وجمع المعلومات والتنظيم والتحريض على المقاومة ومعارضة الأنظمة ... إلخ
وأخيرا ثمة الكثير من التحيات في الخطاب إلى عديد القوى الإسلامية في تركيا والشيشان والصومال والجزائر وكردستان غير أن مسك الختام في الشريط كانت في التهنئة التي خص بها مجاهدي العراق بمناسبة إعلان قيام الدولة الإسلامية، والتي طالب بدعمها وضرورة أن يلحق بها الآخرون، فالعراق في ظل الظروف الحالية يبقى مرشحا عبر تمكن المقاومة فيه من أن يكون قاعدة ارتكاز وانطلاق في التوجه نحو فلسطين وهو ما تسعى إليه القاعدة أصلا، وفي نفس الوقت الحاضن لمشروع إحياء الخلافة القادم عبر نواته المسماة دولة العراق الإسلامية.
نشرت بتاريخ 02 - 03 - 2009